يوسف شاهين.. الحدوتة لم تنته بعد

حسناً، دعونا نبدأ من شيء تم تداوله مؤخراً على الفيسبوك، لأن الكتابة عن يوسف شاهين مثل الكتابة عن الحياة؛ صعبة، ومُحيرة. أنت أمام شخص أسطوري. شخص لن يتكرر ثانية. شخص يُشبه الصحراء في اتساعها، ويُشبه الأفق في لا نهائيته. شخص قرر أن يظل موجوداً. أن يظل يرقص، ويغني، ويصوّر. هذا الشيء هو فيديو يتحدث فيه جو، ليسمح لي أن أقول له جو، عن الحضارة، حيث أراد شخص أيرلندي، أظن أنه صحفي، أن يعرف منه إحساسه لكونه من العالم الثالث. وبطريقته المعهودة، زعق فيه جو بلطف، وبخفة، وبجدية، في آن، قائلاً والسيجارة تتدلى من فمه: يا إلهي.. لقد كُنا هنا منذ سبعة آلاف سنة.. أنت الذي من العالم الثالث!

هو ليس كالذين لا يفعلون شيئاً سوى التغني بالماضي، هو يعي ويدرك قيمة بلاده، وتاريخها، وربما لأجل ذلك لم يفكر يوماً في الهجرة، رغم أنه درس التمثيل وفنون المسرح والدراما في أمريكا وهو في بدايات شبابه. إنه يؤمن بالسفر، برؤية عوالم جديدة، وبشر مختلفين. يؤمن بالانفتاح على الآخر. يؤمن بالذهاب، لكنه في نفس الوقت يؤمن بالعودة. فعلى الرغم من المقولة التي يرددها البعض: سافر فأنت لست شجرة، إلا الإنسان مثل الشجرة فعلاً، يظل جذره ممتداً في الأرض الذي نبت فيها. وهذه كانت قناعته التي ظهرت جلياً في غالبية أفلامه، فأبطاله أو شخصياته إما يتطلعون للسفر، أو يحلمون برؤية البحر. مثل عمر الشريف في (صراع في الميناء) الذي كان يتهيأ دائماً للسفر، ومثل عزت العلايلي في (الاختيار) الذي لعب دور البحار. السفر بالنسبة له طريقة لمعرفة الذات، إذ يرى أنه وسط الغرباء فقط يستطيع المرء أن يعرف نفسه، ويفهمها جيداً.

وكان يطلق على هذه الشخصيات اسم الشخصية البحرية، وكان يعرفها بأنها الشخصية التي تكتسب من البحر صفاته، وطباعه، فهي شخصية منفتحة، متقلبة، هادئة أحياناً، ثائرة كثيراً، وعاصفة إذا تطلب الأمر، وهذه كانت شخصيته، فهو ابن البحر، ابن إسكندرية، التي ولد فيها عام 1926 -لعائلة كاثوليكية لبنانية- والتي كانت حينها مدينة كوزموبوليتانية، أو مجتمعاً للخواجات، كما كان يُطلق عليها، ويبدو أن جو تأثر بها دون أن يشعر، للحد الذي جعل وجهه مع مرور الوقت يكتسب ملامح أجنبية، وجعل فنه كوزموبوليتانياً، إذ كان يأخذ من هنا (الثقافة المصرية) وهناك (السينما الغربية)، حيث اهتم بالرقص والموسيقى والغناء، وعرف كيف يوظفهم جيداً داخل السياق الدرامي للفيلم، كما اهتم بالصورة، أو الكادر السينمائي، الذي كان يسيطر فيه على حركة الممثلين بداخله، فينتج لوحة فنية بامتياز.

ولعل هذا ما جعل شركة انتاج (مبارزيم) تستعين به وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ليخرج فيلمه الأول (بابا أمين) عام 1950، بطولة فاتن حمامة وكمال الشناوي، كنوع من التجديد في دماء السينما المصرية، إذ قالت الشركة في تقديمها للفيلم: “حاولنا في إنتاجنا لهذا الفيلم أن تكون في القصة طرافة (..) وعهدنا بها إلى مخرج شاب درس الفن في مدينة هوليوود وقد التقت أهدافه بأهدافنا في أن نسمو بالفيلم المصري، وإنا لواثقون بأنه سيدعم ثقة المؤمنين بالفيلم المصري وسيكون للمتشائمين نقطة التحول نحو الإيمان بأن السينما المصرية تستطيع أن تقف في معرض الإنتاج العالمي قوية ثابتة رأسها في السماء”. ربما كان الإيمان الشديد به دافعاً لأن يظل حريصاً كل الحرص على أن تكون أفلامه مغايرة، أفلاماً لا يكون هدفها تسلية الجمهور، بل أن تجعل المتفرج يخرج من صالة العرض وفي ذهنه تساؤل عما يريد أن يقوله هذا الرجل (المخرج).

جو نفسه كان يحاول أن يفسر أحياناً بعد أن ينتهي من الفيلم، ما يريد قوله، أو ما يقصده، ولأنني لا أريد أن أخرج بهذه السرعة من الحديث عن الإسكندرية، كان لجو مشهد افتتاحي ظهر فيه في فيلم (إسكندرية كمان وكمان) وهو ينظر فيه من شرفة إلى البحر، وحين سُئل عن سبب هذه النظرة، قال: “احتاج لمشاهدة الفيلم مرة أخرى لأحلل معنى نظرتي”. لقد كانت إذن نظرة عفوية، تُعبر عن إحساسه تجاه المدينة التي ظلت تثير إعجابه، وحزنه، في آن، فهناك أدرك معنى الحياة، ومعنى أن تعيد المُدن بناء نفسها. كما أن هناك تربى، ونشأ، وتعلم العوم، وكاد أن يغرق لمرات عديدة. هناك أيضاً تشاجر، وتمزقت ملابسه، وعمل في الميناء، خلال الحرب العالمية الثانية، وحصل على أول أجر في حياته.

كانت الإسكندرية مؤثرة فيه، كإنسان، وكمخرج، ليس لكونها مدينته، ولكن لكونها نموذجاً مُصغراً لبلده، ولكل البلاد العربية. جو لم يكن متفائلاً في السنوات الأخيرة من عمره بما نمر به من فقر وبطالة وقهر، إذ كان يرى الخطر قادماً،وربما عبر عنه في أخر أفلامه (هي فوضى)، والذي تناول فيه التعذيب في السجون، وبطش رجال الأمن، وثورة الناس في النهاية، واقتحامهم للأقسام، كما لو أنه كان يتنبأ بما سنتعرض له في عام 2011، وما بعده. جو كان يؤمن بالتعددية في الأفكار والأحلام والنظم، وكان ضد الأبوية بكل أشكالها. كما كان يُقدس الإبداع لأقصى حد. ومرة قال: “هناك فئة ترفض التنوير وترفض مخاطبة العقول، وتريد من المبدعين أن يكمموا أفواههم، ويريدون من أمثالي تقديم الأعمال الهابطة”.

نعود إلى الفيديو الذي تحدثنا عنه في البداية، كان يوسف شاهين يرى أن العالم لا يجب أن يُقسم هكذا، وأن علينا فهم ما تعنيه الحضارة. الحضارة هي أن تعرف كيف تتواصل مع الآخرين. تعرف كيف تحب. كيف تهتم. يضيف: “في مصر، إذا ذهبت إلى رجل فقير، لا يملك شيئاً، سوف يأخذ من جاره قطعة خبز ليعطيها لك، أما في أوروبا ربما يُغمى عليك كجثة في الشارع، وتجد الناس يسيرون إلى جوارك، كأنهم لا يرون شيئاً”. هكذا كانت ثقافته، وفكره. هكذا كان ينحاز للمهمشين والضعفاء والذين ينشدون الحرية. هكذا كان يرى العالم والفن والحضارة من وجهة نظر يسارية. جو حدوتة حقيقية، وعلى الرغم من مرور عشر سنوات على رحيله، إلا أن الحدوتة لم تنته بعد، ولن تنتهي أبداً.

ألبير قصيرى.. وحيدًا كجثة جميلة فى يومها الأول بالقبر

pc-cossery-albert.jpg

من كثرة الحكايات التي تتناول ألبير قصيرى، من كثرة ما قالوا عنه إنه كسولٌ، وإنه جعل غالبية شخصياته من الكسالى، خصوصاً الرجال، يُهيأ للواحد أن ألبير لا يزال نائماً في قبره على نفس الوضع الذي تركوه عليه، وأنه لم يتحرك من حينها، ولم يقم بفعل شيء، لم يقم مثلاً بتحريك أصابعه، أو حاجبيه، لم يقم بزيارة أحد من جيرانه الموتى، وأنه كما لم يغادر في حياته الغرفة 58 بفندق (لا لويزيان) في باريس قرابة الستين عاماً التي عاشها هناك، لم يغادر قبره، وأنه لا يزال يفضل أن يكون وحيداً، “وحيداً كجثة جميلة في يومها الأول بالقبر”، وهو بيته الشعري الذي ظل محتفظاً به، ولم يتبرأ منه، ربما إلى اليوم!

متابعة قراءة ألبير قصيرى.. وحيدًا كجثة جميلة فى يومها الأول بالقبر

جمال القصاص: السبعينيات آخر جيل شعري

BeautyPlus_20180621115545002_save.jpg

في طريقه إلى مكتبه بالمهندسين، كان يمر جمال القصاص على بائعة جرجير تُدعى فوزية. كانت بائعة كأي بائعة، وكان هو كأي عابر، يلقي عليها نظرة لا تخلو من لامبالاة، ولأن هذا كان يحدث بشكل يومي، تراكمت لديه النظرات، حتى صارت تزاحمه، وتشكل سؤالاً كبيراً: ما الذي يجعل ابتسامة هذه المرأة مُشعة، ما الذي يجعل وجهها مُشرقاً كما لو أنها تنتظر حبيباً، أو حلماً، سيغدو للتو حقيقة؟

لجمال القصاص -بالطبع- عينان، لكنهما عينان تخصان شاعراً وصحفياً معاً. عينٌ منهما تريد أن تظل متأملة.. ومتألمة، والأخرى تريد أن تعري كل ما يصادفها من أشخاص وأماكن وقطط.

لم يفكر الشاعر الذي بداخله -مرة- في الحديث إليها. الشاعر الذي بداخله لا يبحث عن إجابة، الشاعر الذي بداخله ما هو -أساساً- إلا جسد متناثر على شكل سؤال.

الصحفي الذي بداخله أيضاً لم يفكر في ذلك إلا حين اضطر لأن يعد “فيتشر”، كي يملأوا به بياضاً مُباغتاً.

يبتسم جمال وهو يحكي: “لا أعرف لِمَ خطرت على بالى هذه المرأة. ربما لأنها كانت قريبة مني، وربما لأنني ارتبطت بها من فرط رؤيتها. لا أعرف صراحة”.

بدا كلامها له في البداية عادياً، إنها تبدأ عملها في السادسة صباحاً، وتحرص على أن تكون بضاعتها طازجة. يتذكر: “كانت فرشتها تتحوّل إلى كرنفال شهي من الألوان الحية”.

في لحظة الكتابة، التي لا يستطيع فيها أن ينحي الشاعر جانباً، اكتشف جمال القصاص أن صراع هذه المرأة الأساسي مع اللون الأخضر، إذ تقضي وقتها كُله في رش الجرجير بالماء، حتى لا تصفر وريقاته.

كان صراعه هو أيضاً – في ظني – مع اللون الأخضر؛ أخضر قلبه، وأخضر القصيدة.

إنه لم يسمح لقلبه -طوال سنوات عمره التي تزحف نحو السبعين- بأن يضمر، في حين ترك للوهن الفرصة كاملة لأن يتسلل إلى بقية أعضائه، حتى أصبح محض جذر شائخ يبحث عن شيء يسند الظهر. وبالنسبة لقصيدته فعكف على مدها بصور شعرية مجنونة، ومُدهشة، مثل: “لصمتك رائحة الخبز” و “أنت نعناع صوتي”.

أما أخضر الحياة، فكان الأخضر الذي كلما بهت، أخذ جمال من أخضر قلبه وأخضر القصيدة، كي يعيد له بريقه.

هكذا ظل يحاوط الأخضر، كما تحاوط أم طفلها، وكما تحاوط ذراع خصراً تشتهيه.

لكن هل ثمة أخضر في الموت؟

قبل سنوات، اشترى جمال القصاص -وهو الذي لم يعتد لأن يمتلك شيئاً- مقبرة. ولأنه لا يجد راحته في أي مكان، ولأنه يعيش وحيداً، صار يتردد عليها، لكي يستمد منها الطمأنينة، ولكي يجد فيها من يحادثه!

هو لا يريد الموت، هو يريد حياة داخل الموت. أو يريد -كما قال في ديوانه الأحدث (جدار أزرق)- أن يرووا عنه أنه أحب بشجاعة.. مات بشجاعة، وكان ثمرة لم ينضج رحيقها في عطش الفم.

في هذا الحوار نقترب من جمال القصاص بالقدر الذي يقترب فيه من جسده، ومن الشعر.

متابعة قراءة جمال القصاص: السبعينيات آخر جيل شعري

رشا عمران: الشعر هو كل شيء.. ولا شيء على الإطلاق

BeautyPlus_20180201123413_save.jpg
فوتوغرافيا: منى عبد الكريم، وحقوق الفوتوغرافيا محفوظة لها

لا أعرف لماذا خُيل لي، وأنا في الطريق إلى بيت رشا عمران، الكائن بحي باب اللوق، أنني لن التقي بها وحدها، وأن الوجه الذي سيستقبلني، لن يكون وجهها، إنما وجه المرأة التي سكنت قبلها. لا أعرف لماذا خُيل لي أيضاً أن هذه المرأة ستنوب عن رشا بفعل الكثير. كأن تُعد لنا القهوة. كأن تأخذني في جولة سريعة لتفرجني على ما بداخلها من هزائم وخيبات. كأن تضحك. كأن تعد لنا قهوة ثانية، لتستطيع أن تحدثني بتركيزٍ عن عُشاقها القدامى، وعن الثورة والحرب، وعن النمل الذي يقضم روحها. كأن تصمت فجأة، لتقرأ لي نصاً. سيكون للمُصادفة النص الذي أحبه: “لست لحناً حزيناً/ ولا وردة ذابلة/ أنا ذرة ملح/ متروكة على الطاولة/ كشاهدة/ على العشاء الأخير”‬.
قبل أن أصل، وحتى لا يشت عقلي، حاولت أن أفتت هذه الخيالات، النابعة من قناعة تخصني، وهي أن ثمة شيئا حقيقياً دائماً فيما تكتبه الشاعرات، ثمة شيئاً صادقاً، لكن حين فتحت رشا الباب، حين فتحته بابتسامتها الخافتة، وعينيها الواضحتين، كان أول ما وصلني، ليس صوتها، إنما صوت واحدة أخرى، ولمّا تجاوزت عتبة البيت، حيث الصالة الضيقة، الأنيقة، انتبهتُ إلى أن الصوت قادمٌ من المطبخ، ولوهلة كنتُ سأسأل رشا: هل هذا صوت التي سكنت البيت قبلك؟ لكنها تعجلت وذهبت إليها، إلى المرأة التي في المطبخ، المرأة التي تساعدها في مهام البيت، لتطلب منها أن تعد لنا قهوة.
كان البيت، الذي هو في الحقيقة شقة صغيرة، تقع في الطابق الرابع، هادئاً للغاية، ليس لأن رشا تعيش فيه بمفردها، لكن أغلب الظن أن حوائطه المُرتفعة، وشبابيكه الكبيرة، والشمس التي تقضي نهارها فيه، يعطون انطباعاً للواحد أن طبيعته كذلك. جلسنا في الغرفة التي تستقبل فيها رشا الضيوف. الغرفة الثانية بعد غرفة النوم. الغرفة الوحيدة بعد غرفة النوم. الغرفة أشبه بجاليري. البيت كله صراحة أشبه بجاليري. فلا يوجد حائط يخلو من لوحة. ولا توجد غرفة لا تفوح منها رائحة دمشق. ظلت رشا واقفة وهي تتحدث عن الغرفة، والبيت، واللوحات. اللوحات التي أهداها إياها أصدقاؤها الرسامون. اللوحات التي هي -للغرابة- حصيلة ما تملكه في الحياة.
لم يكن يشغلني ما تقوله رشا عن البيت، واللوحات، رغم أنهما يعكسان جانباً كبيراً من شخصيتها، كان يشغلني أن لا صورة فوتوغرافية واحدة لها، أو لشخص قريب منها، مُعلقة على أي جدار، وحين سألتها عن السبب، قالت إنها لا تحب رؤية وجهها في الصور، أو المرآة. وأنها لا تميل إلى توثيق اللحظات التي تعيشها. ثم أضافت بلهجتها السورية المُحببة: “‬ليش بدي أحط صورة لبنتي وهي موجودة بذاكرتي”. لا تحب رشا الشعور بالحنين إلى أحد. لا تحب التعلق بالماضي. كما أنها لا تريد أن تكون مُحاصرة بأناس، لم تعد بإمكانها أن تراهم.
كما كان يشغلني الجُرح الذي لم تحاول أن تُخفيه. الجُرح الذي يتوسط صدرها. الجُرح الذي يفصل بين عالمين، ويوصل بين عالمين. الجُرح الذي يُشبه الجسر، والطريق المتعرجة. الجُرح الذي اعتقدتُ أنه خيط تريكو، وأن عليّ أن أشده، لأتعرف على رشا أكثر. متابعة قراءة رشا عمران: الشعر هو كل شيء.. ولا شيء على الإطلاق

فاطمة قنديل: فرحتي بالشعر لا تدوم طويلاً

01
حقوق الصورة محفوظة للمصورة منى عبد الكريم

لم أكن أعرف إلى أي مدى كانت ستتقبل الشاعرة فاطمة قنديل فكرة أن أزورها في البيت. لم أكن أعرف كيف أفتح معها كلاماً. هل أقول لها هكذا بدون مقدمات أنني أريد أن أرى هذا البيت الذي له بابان، ثم أصمت، كما لو أني أنتظر حكماً عليّ بالبلاهة. لم أكن أعرف أيضاً بم سأجيب عليها إن سألتني عن السبب. هل أبرر قائلة إنني أريد أن أتأكد إن كان الباب الخارجي لا ينغلق بإحكام، وإن كان الباب الداخلي هشاً وجميلاً. وإنني أريد أن أطمئن على أن العشب البري لا يزال ينمو في حديقتها. لكنني لم أجرؤ. لم أجرؤ لأن المسافة التي بيننا أكثر من المسافة التي بين البابين.

وحين هاتفتها، لنحدد ميعاداً ومكاناً للقاء، حاولت أن أنسى ما أرغب فيه، وتركتها تختار ما يناسبها. قالت بصوت مبحوح: مبدئياً لن نلتقي قبل الخامسة مساءً، لأنني أصحو متأخرة. فوافقت. وقبل أن تضيف شيئاً بخصوص المكان. أخبرتها أننا نحبُ أن نصورها صوراً تُشبهها. فردت مسرعة: ليس هناك إذن سوى أن تأتي إلى بيتي.. فيه أكون على طبيعتي. ابتسمت. ظللتُ مبتسمة نحو عشر دقائق. وقلت لنفسي: سوف أطمئن أيضاً على الصحراء التي تحيط بالبيت، وعلى الوحدة التي تسكنه. الوحدة التي لا تشيخ، والتي لا تشعر بالحرج كلما بكت أمام أحدهم.

في الطريق إليها، انتبهت إلى أنني لم آخذ معي شيئاً، لكن ماذا بإمكاني أن آخذ لشاعرة مثلها تحيا في ليل دائم؟ فتذكرت فروغ فرخزاد وهي تقول “أيها الرفيق/ إن كنت تقصد بيتي/ فاحمل لي معك مصباحاً/ ونافذة/ كي أرى صخب الشارع السعيد”. وتمنيت لو أن المجاز يصير رحيماً ولو مرة واحدة. حين توقفنا أمام البيت، لم نكن متأكدين بالضبط أنه هو. رغم أنه يحمل الرقم الذي أخبرتنا به. لكن شيئاً ما فيه يربكك. ربما بابه الخارجي الذي وجدناه ينفتح ببطء. إذ كان حارس الحديقة في انتظارنا. بينما حارسة النهار لا تزال في الداخل، تحاول أن تفيق.

كل شيء كما وصفته؛ البابان والحديقة والممر الحجري، عدا القطط، التي لم ترد ذكرها في نص (بطاقة هوية). لم يحدث يوماً أصلاً أننا وجدنا أحداً يكتب في بطاقته أن له كلباً، أو قطة. خرجت فاطمة قنديل على سهو. خرجت بذراعين مفتوحتين، وبضحكة رائقة. وحين وجدتنا مبتهجين بالقطط. وقفت معنا تحدثنا عن شقاوتهم. ثم اصطحبتنا إلى الداخل. إلى عزلتها الدافئة.

بمجرد أن تتجاوز عتبة البيت، تشعر أنك انفصلت عن الزمن. حيث الإضاءة البُنية الخافتة، والأثاث الفلكلوري البسيط. رحنا نتجول في الصالة الواسعة لنتعرف على فاطمة أكثر. ثلاثة أشياء كانوا لافتين للانتباه. الكمان المُعلق على الحائط المواجه للباب، والمنضدة الصغيرة التي رصت عليها الكتب التي بإمكان أي أحد أن يسرق منها، والصور المُعلقة بعشوائية منظمة، التي كانت غالبيتها صوراً شخصية بالأبيض والأسود، أما الباقية فتحمل وجوهاً نعرفها، مثل: سعاد حسني، وصلاح عبد الصبور، وفرجينا وولف.

بعد أن انتهينا من حصر التفاصيل، جلستُ أنا ومُنى عبد الكريم على الكنبة، بينما أحضرت فاطمة قنديل علبة سجائرها، وكوباً من القهوة الغامقة، ثم غاصت في كرسيها المفضل، قائلة لنا بمرح: “ها.. ما الذي تريدونه مني؟”. متابعة قراءة فاطمة قنديل: فرحتي بالشعر لا تدوم طويلاً

“طه محمد علي” الذي أضاف خيط شعاع إلى الشمس

taha-muhammad-ali_crc3a9dit_nina_subin.jpgسأبقى بقعة دم
بحجم الغيمة
على قميص هذا العالم”
ربما كان عليّ أن أتمهل قليلاً، قبل أن أندفع بكليتي نحو الشاعر الفلسطيني طه محمد علي. ربما كان عليّ أن أخطو ببطء تجاه قصائده التي اختارها الشاعر محمود خير الله وأعاد نشرها في كتاب (صبي الفراشات الملونة) الذي للمفارقة لم تُحلق فى سماء غلافه أية فراشات، إنما حمامات السلام. ربما كان عليّ أن أضع الكتاب على الرف، وأنساه لشهر، أو لشهرين، أو لعامين. ربما كان عليّ أن أنشغل – كما أفعل دوماً – بتأمل عنوان الكتاب، وابتسم له كلما مررت من أمامه، كما لو أننى ابتسم إلى أحد أعرفه. ربما كان عليّ أن أكتفى بقراءة قصيدة واحدة، وانتظر، وأنا لا أعرف لماذا انتظر. ربما كان عليّ أن أتماسك، ولا أنطرح أرضاً هكذا، غير أننى أضعف كثيراً أمام الشعر، وأضعف أكثر أمام فلسطين، وأهلها.

متابعة قراءة “طه محمد علي” الذي أضاف خيط شعاع إلى الشمس

كيف عادت الروح إلى واحة الغروب؟

Khaled Nagy 67.jpg

في عام 1994، سافر المعماريان عماد ميخائيل ورامز عزمي، إلى واحة سيوة. سافرا، وهما يتوقعان، أن المهمة قد تكون سهلة. سافرا، وهما يعتقدان، أن ما أخذاه معهما من رسومات هندسية سوف يلبي الغرض. سافرا، وهما يظنان، أن وجودهما هناك لن يدوم طويلاً. لكنهما أدركا سريعاً، أن عمارة سيوة ليست كأي عمارة. عمارة فريدة من نوعها. عمارة جاءت من العدم، مثل الإنسان تماماً. عمارة من الطين، وللطين قدسيته. لذا كان عليهما أولاً أن يمزقا الرسومات، ويتخليا عن أنانيتهما “اكتشفنا أننا ذاهبان لنحقق ما يعبر عنّا، وليس ما يعبر عن الواحة. إنه الوهم الذي كان يقودنا”‬، وقررا أن يبدأا من حيث بدأ المعماريون القدامي. من الطبيعة. سر الواحة، وسبب بقائها.
“‬حاولنا أن نتعرف بأنفسنا على الواحة. كيف نشأت. كيف كان إنسانها الأول. وكيف هو إنسانها الحالي. اقتربنا أكثر، واختلطنا بهم. شاركناهم في كل شيء، في أفراحهم، وأحزانهم. دخلنا إلى البيوت القديمة، البيوت التي بها عبق التاريخ. واكتشفنا أن حضارتهم لم تكن بمحض الصدفة، لقد استطاعوا أن يتكيفوا مع الطبيعة القاسية هناك، وأن يستغلوا كل شيء بها؛ الرمال، والأعشاب، والأحجار، والنخيل، وأشجار الزيتون، وعيون المياه. لا لكي يعيشوا فقط، وإنما ليبقوا إلى الأبد. لذا، وجدنا من العبث، أن نتعالى عليهم، أو نستخف بما وصلوا إليه من تجارب على مدار ألف سنة، وقررنا أن نتعاون معهم. وأن تكون المنفعة متبادلة. هم يمدوننا بالطرق البيئية، ونحن نمدهم بالطرق الهندسية”.
هكذا بدأ مشوارهما في إعادة الروح إلى سيوة. ورغم أنهما كانا لا يزالان في بداية طريقهما آنذاك، إلى أنهما كانا يمتلكان الوعي، والمهارة، في آن واحد. يستكملان: “عاهدنا أنفسنا على ألا نعتدي على الطبيعة، وأن نعيد استكمال الحضارة، فالخطأ الذي يقع فيه غالبية المهندسين كلما دخلوا إلى مدينة بها تراث فريد، أنهم يطبقون النظريات الحديثة دون الأخذ في الاعتبار إذا كانت مناسبة أم لا، وهو ما تفاديناه في سيوة، فقد يكون معمارها ليس أفضل معمار في مصر، لكنه أفضل معمار بالنسبة لها، لأنها بُنيت بمادة تخصها وحدها، وهي الكرشيف، عبارة عن خليط من الطفلة والملح، ويتم تجميعها من حواف البحيرات”.

متابعة قراءة كيف عادت الروح إلى واحة الغروب؟