“طه محمد علي” الذي أضاف خيط شعاع إلى الشمس

taha-muhammad-ali_crc3a9dit_nina_subin.jpgسأبقى بقعة دم
بحجم الغيمة
على قميص هذا العالم”
ربما كان عليّ أن أتمهل قليلاً، قبل أن أندفع بكليتي نحو الشاعر الفلسطيني طه محمد علي. ربما كان عليّ أن أخطو ببطء تجاه قصائده التي اختارها الشاعر محمود خير الله وأعاد نشرها في كتاب (صبي الفراشات الملونة) الذي للمفارقة لم تُحلق فى سماء غلافه أية فراشات، إنما حمامات السلام. ربما كان عليّ أن أضع الكتاب على الرف، وأنساه لشهر، أو لشهرين، أو لعامين. ربما كان عليّ أن أنشغل – كما أفعل دوماً – بتأمل عنوان الكتاب، وابتسم له كلما مررت من أمامه، كما لو أننى ابتسم إلى أحد أعرفه. ربما كان عليّ أن أكتفى بقراءة قصيدة واحدة، وانتظر، وأنا لا أعرف لماذا انتظر. ربما كان عليّ أن أتماسك، ولا أنطرح أرضاً هكذا، غير أننى أضعف كثيراً أمام الشعر، وأضعف أكثر أمام فلسطين، وأهلها.

متابعة قراءة “طه محمد علي” الذي أضاف خيط شعاع إلى الشمس

زياد خدّاش‮: ‬المقاومة‮.. ‬أن أواصل الدرس على إيقاع الرصاص

15032681_1092983200800268_488013579566619680_n.jpg
زياد خداش

هل‮ ‬يصير الكاتب تافهاً‮ ‬حين‮ ‬يكتب عن الحياة ؟‮!‬
ربما كان هذا هو السؤال الأهم الذي أردتُ‮ ‬أن أوجهه للقاص الفلسطيني زياد خدّاش،‮ ‬لكنني لم أفعل،‮ ‬لسبب واحد،‮ ‬أنني تذكرت أنه لا‮ ‬يعنيه لو رأى أحدهم ذلك،‮ ‬لأن من حق المرء ببساطة أن‮ ‬يحيا،‮ ‬فشطبت السؤال من دفتري‮.
‬كما تذكرت أيضاً‮ ‬أنه لا‮ ‬يعنيه لو بدا مجنوناً‮ ‬أو لا مبالياً،‮ ‬حين‮ ‬يكتب عن الرغبة في ممارسة الحب قبل الاجتياح،‮ ‬وعن الشعور الذي انتابه حين أمسكه الجندي الإسرائيلي وطرحه أرضاً،‮ ‬لقد أحس حينها برغبة عارمة في البكاء،‮ ‬لأنه حين دفن وجهه في الأرض،‮ ‬وجد أنه‮ ‬ينام على بقايا جذور طيونة منتزعة حديثاً،‮ ‬الطيون الذي كان‮ ‬يجمعه لحبيبته‮،‮ ‬مقابل أن تعطيه قبلة ساخنة وعنيفة،‮ ‬وبدلاً‮ ‬من أن‮ ‬يفكر في الموت الوشيك،‮ ‬فكر في العاشق الذي جاء وانتزع الطيون لأجل مئات القبل‮!‬
لقد أراد القبلة،‮ ‬لا القنبلة،‮ ‬القبلة التي تحدث دوياً عظيماً‮ ‬في نفوس العدو،‮ ‬القبلة التي تخيفهم،‮ ‬لأن منها تخرج آلاف الأرواح،‮ ‬الأرواح الصغيرة،‮ ‬التي عرف أنها الوحيدة التي ستنقذه من الشتات،‮ ‬فتشبث بها،‮ ‬وتشبثت به،‮ ‬ليخلقوا معاً‮ ‬عوالم سريالية ودهشات لا‮ ‬يمكن أن نصادفها في واقعنا المرير‮.‬
‮ ‬لقد اختار أن‮ ‬يخذل القارئ،‮ ‬القارئ العادي الذي‮ ‬يزعجه وصف عادي،‮ ‬كي‮ ‬يقول لهم إن للمقاومة‮  ‬طريقا وحيدا هو الحياة،‮ ‬ما جعله‮ ‬يعتاد على استقبال الاتهامات بصدر رحب،‮ ‬مثل مقاتل‮ ‬يستقبل الرصاصات بابتسامة لأنه سيسقط شهيداً‮. ‬
لقد أدرك صعوبة الرحلة،‮ ‬منذ أن ولد في مخيم الجلزون قرب رام الله عام‮ ‬1964،‮ ‬وعرف أن المعاناة التي تكلم عنها الفلاسفة في أن تكون موجوداً‮ ‬لا تمثل شيئاً‮ ‬أمام أن تكون من بلد محتلة،‮ ‬لذا قررت أن أبدأ معه من هذا المنطلق،‮ ‬وأسأله‮: ‬ماذا‮ ‬يعني أن تكون كاتباً‮ ‬فلسطينياً؟‮! ‬ متابعة قراءة زياد خدّاش‮: ‬المقاومة‮.. ‬أن أواصل الدرس على إيقاع الرصاص

غياث المدهون: أمام القتل تنهار كل المجازات

فوتوغرافيا كاتو لين
فوتوغرافيا: كاتو لين

ليس بإمكاني أن أذكر اليوم الذي قرأتُ فيه لـغياث المدهون، ولا كيف وصلت قصائده إليّ، لكن بإمكاني أن أذكر الشعور الذي انتابني حينها؛  أحسستُ فجأة وبلا مقدمات أنني خائفة من العالم. العالم الوقح، الذي أتخيله دائماً بأنه رجل دميم يجلس أمام التلفزيون واضعاً ساقاً على أخرى، ليتفرج على ما يحدث في سوريا وهو يهز رأسه ويضحك. العالم الذي حوّل حياتنا إلى فيلم رعب، وجعل مفاهيمنا تتغير للأشياء، كأن نرى الكتب مقابر للقصائد، والبيوت خيام أسمنتية، والكلاب ذئاب ارتضت الذل، كأن يجعلنا نعبر عن حبنا قائلين: “أنا أغرقُ فيك كما يغرقُ السوريون في البحار”. يقول غياث في نصه: “يا إلهي/ أنظري إلى أين أوصلتنا الحرب/ حتى في أسوأ كوابيسي لم يخطر لي/ أنني في يوم من الأيام/ سأقولُ في قصيدة/ أغرقُ فيك كما يغرقُ السوريون في البحار”.

لم يخطر لي أيضاً أن أحداً سيقول هذا، أو يقول “مبتسماً كأن الحرب لم تأكل أخي”، هكذا، كأن التعاطي مع الحرب أمر واجب خصوصاً على القادمين من بلاد الشام، فغالبية قصائد غياث المدهون لا تخلو من الحديث عن الحرب إلى الحد الذي يجعلك تشعر فيه أن ثمة لغم قد ينفجر فيك، وأن ثمة دبابة قد تدهسك لو ظللت تحدق في أشلاء القتلى. إنه الفلسطيني الموزع على عدة مجازر.. الفلسطيني العنيف حسب الكليشيهات والصور النمطية، السوري الذي لا يستطيع الحضور لأنه مشغولٌ بالحرب الباردة التي يخوضها يومياً مع العزلة، السويدي الذي يتمتع بالرفاهية في بلدٍ يحوي سبعاً وتسعين ألفاً وخمسمائة بحيرة من الماء العذب!

إنه كل ذلك وأكثر، إنه “الغريب الذي فقد يده في الحرب، الأرمل الذي لم تمت زوجَته، المهاجر الذي لم يغرق في المتوسط”، والأهم إنه الشاعر الذي يتحدث عن الموت وكأنه يتحدث عن الأمل، الشاعر الذي -يا لحظه السيئ- لم يربح جائزة اليانصيب الكبرى ولم يُمنح جائزة نوبل للآداب! لذا لم يكن مقبولاً -بالنسبة لي- أن أفوت فرصة وجوده في القاهرة ولا التقى به كي نتحدث عن أشياء كثيرة، من بينها الشعر بالتأكيد!

متابعة قراءة غياث المدهون: أمام القتل تنهار كل المجازات