إبراهيم داود: كُلنا جالسون على الأرض

BeautyPlus_20190717163052560_save

صحيح أن كل شاعر يُشبه شعره، لكنني لم أكن أتوقع أن إبراهيم داود بسيط إلى هذا الحد، بسيط كالماء كما يقول رياض الصالح الحسين، فمن أول لقاء شعرتُ أنني أتحدث مع صديق قديم، صديق دافئ بالأحرى، وهو ما أربكني لأن هذه الألفة يكمن وراءها الكثير من الأحزان.. الكثير من الحكايات التي لم ترو، ولن تروى أبداً.

قال: لا تنتظري أن أقول لكِ كلاماً عظيماً. قلتُ: لا أريد كلاماً عظيماً، أريد كلاماً عادياً.. وأقل من العادي. فابتسم. ابتسامته تشي دائماً بالطمأنينة، فهو ليس مشغولاً بالمعارك، ليس مشغولاً بالمجد، إنه مشغول فقط بالبحث عن مكان آمن وأحضان تدربت كثيراً على الوحدة لتستمتع بوجوده.

داود الذي لا يملك في الحياة سوى الشعر، يتفادى الحديث عنه، كما يتفادى الحديث عن الآلام، فهو لا يحب أن يلعب دور الشاعر الواعظ، ولا يحب أن يظهر كما لو أنه يتحسر على الماضي، إنه يحب أن يتحدث أكثر عن المزيكا، ولكي تعرف ذوقه عليك أن تستمع إلى أغنية “الأولة فى الغرام” عامين على الأقل.

سألني إن كان معي فلاشة، فهززت رأسي بالإيجاب، وأعطيته إياها، وحين عدتُ إلى البيت، وجدتُ الفلاشة بها الكثير من الأغنيات.

لا يتذكر داود إن كانت هناك أغنية معينة تلهمه بالقصائد، ولا يتذكر متى بدأت علاقته بالمزيكا، لكنه يتذكر أن تعرفه المُبكر على السميعة الكبار: خيري شلبي ونجم وعمار الشريعي وعلاء الديب وإبراهيم منصور أفاده في فهم المقامات، وفي تحديدها بسهولة.

المزيكا تمثل له رئة إضافية، فحين يضيق بالكتابة وأهلها، يحتمي بها. كما يحتمي بالمقاهي والبارات، أماكن الغرباء، فبالرغم من أنه يعيش في القاهرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً إلا أنه يرى نفسه غريباً، ويشتد عليه هذا الإحساس كلما تغيرت الشوارع، وكلما غادره الأصدقاء.

يقول في ديوانه الأحدث (كُن شجاعاً هذه المرة): لا يوجد شيء مؤكد/ يوجد كلام/ وخوف/ وبالطبع أمل.

ذهبتُ إليه وكُلي طموح أن أفتح أبوابه المتعددة، لكنهُ لم يسمح لي سوى بباب واحد، أو ربما أنه لا يملك سوى باب واحد!

إبراهيم داود مُحرض ليس فقط على الحياة، وإنما على البساطة، فهو يجعلك تتخفف من كل شيء.

متابعة قراءة إبراهيم داود: كُلنا جالسون على الأرض

الإعلانات

علي منصور: كتبت قصائد إيروتيكية ولن أنشرها لأنها إثم

BeautyPlus_20190613172858857_save

لا أعتقد أن على منصور كان يسأل كثيراً -وهو طفل- عن الله. لا أعتقد أنه مر بالحيرة التي مررنا بها. فهو محظوظ -أقول محظوظ وأعرف كم سيؤلمه هذا- لأن والده مات قبل أن يبلغ الرابعة، إذ صوّر له خياله البريء، أن جبريل سينزل عليه، ويراضيه بالنبوة. لا أعتقد أن على منصور كان سيتحمل ما تحمله النبي، إنه هش جداً، هش مثل قشة التبن التي كان ينزعها من حائط الطوب اللبن. لقد ألمح لي بذلك، إذ قال بخجلٍ وحزنٍ شديدين: “أنا ضعيف وجبان، كلما تحدثتُ في أمرٍ يخص الدين، وينتقدني أصحابي المثقفون، أنكمش على ذاتي، وأبتعد”.

أحبُ أن أذكر أن على منصور ولد في الأول من شهر جمادي الأولى عام1376 ه، وأنه يحب سورتي الأنعام والنحل، وأنه مفتون بمفردة (أفمن) التي ترددت في القرآن خمسة عشر مرة، مثلما في سورة الزمر، أية 22، (أفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ). أحبُ أن أذكر حكايات كثيرة عنه، خصوصاً حكايته مع زوجة أستاذه المسيحي، التي عرفت أنه -وهو الذي بالكاد أتم عامه العاشر- يتخلف عن موعد الدرس، لحرصه على أداء الصلاة في موعدها، والتي أحبته، وعطفت عليه، لأنه يتيم، وفقير، والتي نادته في يوم، وأخذته إلى غرفتها.

يقول: “كنتُ مأخوذا بالطبع، لكنها طمأنتني، وأمسكت بيدي ووضعتها على رأس رضيعها المحموم، متوسلة أن أقرأ شيئاً من القرآن، فرحتُ أقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين”.

يتعجب الكثيرون منه لأنه يتحدث دائماً عن الدين، ويظنون أنه أتى خطأً إلى الشعر. إنه توليفة مختلفة. يؤمن بالله والطبيعة والبشر. ويؤمن في آن بالفن والصيدلة والماركسية. وفي المرات التي رأيته فيها، لاحظتُ أن وجهه يحمل يقيناً غريباً، تقريباً لم ألتق بأحدٍ لديه هذا اليقين، وكان يذكرني هذا بمقولة نيتشه “لا الشك، إنما اليقين هو الذي يؤدي إلى الجنون”.

استجمعتُ شجاعتي في أحد اللقاءات، وسألتهُ: ألم تشك يوماً في وجود الله؟، ورغم أنني توقعتُ أن إجابته ستكون بالنفي، إلا أنه فاجئني بأنه ألحد لنصف يوم فقط.

كان ذلك في شهر رمضان سنة 1977، إذ كان حينها منخرطاً في العمل السري، ويحتك بالماركسيين دون غيرهم. وفي يوم كان يجلس مع مجموعة منهم في مقهى زهرة البستان، وحين عرفوا أنه صائم، استهزأوا به، وأزعجه هذا جداً، لأنه كان يشعر في هذه الفترة بأن الدين يقيده، وحتى يثبت لهم أنه مثلهم، ماركسي بحق، فطر على كوب من الشاي، فهللوا، وباركوا له، لكن بمجرد أن عاد للبيت، وعلى مائدة الفطور، شعر باحتقار شديد لنفسه، وظل داخله يصرخ “إزاي يا علي عملت كدا”، ولم ينته اليوم إلا وكان عائداً إلى يقينه.

شغلني أيضاً هل كتب قصائد إيروتيكية؟ شيء ما بداخلي كان يقول نعم، لكنني لم أكن شجاعة بما يكفي لأسأله، وطلبتُ منه أن نجري حواراً في أقرب وقت. لم يتحمس، وحاول أن يقنعني بأن ليس لديه شيء جديد ليقوله، حتى إنه أرسل لي عشرين حواراً أجراها معه زملاء أعزاء، كما أرسل شهاداته عن الشعر، وبالفعل ظللتُ أسبوعاً كاملاً لا أفعل شيئاً سوى أنني أقرأ لعلي منصور، وفي ساعة متأخرة من أحد الأيام هاتفتهُ قائلة: غداً نجري الحوار.

بدون مبالغة جلسنا نتحدث من الثانية ظهراً حتى الثامنة مساءً. لم أشعر بالملل. هو كذلك. لكنهُ بدا خائفاً، ومرتبكاً، وبحاجة شديدة للبكاء، حتى أنه كان يقول لي كلما انتبه إلى أنه أخذ راحته في الكلام: طبعاً مش كل الكلام دا هيتنشر!

متابعة قراءة علي منصور: كتبت قصائد إيروتيكية ولن أنشرها لأنها إثم

همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية

JJLAa.jpg

كتابات همنغواي الأولى كانت رديئة جداً، بشاهدته، وشهادة معلميه، مثل الشاعر عزرا باوند الذي كان يراجع نصوصه، والذي كان يخط بقلمه الأحمر دون شفقة. همنغواي لم يكن يؤمن بأن الكتابة موهبة، وأمر يتخلله الحماسة والمزاجية، بل حرفة بإمكان الواحد تعلمها واتقانها بعد تعلمها. وربما عزز عنده هذه الفكرة أنه كان صحفياً، وأنه كان معتاداً على قول كل ماعنده، دون أن يترك للقارئ فرصة أن يعرف بنفسه دواخل الناس الذين يتحدث عنهم. وهو ماجعله في وقت ما يتوقف عن الكتابة وينصرف إلى قراءة الأخبار الرياضية لأنها تصور ما حدث وليس ما يحس وما يفكر به الكاتب. وهذا أول درس تعلمه همنغواي أن عليه أن يكون بسيطاً. بسيطاً في وصفه، وفي لغته. فكان مثلاً يتجنب استخدام الألفاظ المدوية، والأفعال الكثيرة، فإذا دار حوار ما في إحدى رواياته فإنه يركز على فعل “يقول” وليس على يحكي، أو يتحدث، أو يصرح. كما كان يتجنب كل مايتعلق بتذكير القارئ حول وجود المؤلف. فالناس في الواقع يحكون حياتهم ببساطة، وليس بهذا التعقيد الذي نقرأه على ألسنتهم في الروايات. وأدرك همنغواي مبكراً أنه لا يستطيع أن يكون صحفياً وكاتباً في آن واحد، ورفض كل العروض الصحفية التي كان بوسعها أن تجعله يعيش دون هموم، واكتفى بأن يكون غذاؤه الوحيد لسنوات طويلة البطاطا المقلية، وأن يكون أصدقاؤه القطط التي كان يجمعها من الشوارع. كما حاول أن يستغل كل وقته، إذ كان يستيقظ في السادسة صباحاً ويشرع على الفور في العمل. كان في الحقيقة يكتب باستعجال ويستنفد قواه بشكل كبير. وفي عام 1922 أخبرته زوجته بأنها فقدت الحقيبة التي تحتوي على كل المسودات والنصوص في محطة القطار، فشعر همنغواي بالضياع وظل يشرب ويشرب. لكن صوتاً ما بداخله كان يقول له على الدوام “عليك البدء من جديد”، ولم يكن يتوقف هذا الصوت، حتى بعد أن ذاع صيته بعد نشر روايته الأولى (الشمس تشرق من جديد)، التي بيع منها وقتها في الولايات المتحدة فقط 26 ألف نسخة، وأيضاً (لمن تقرع الأجراس) التي تتحدث عن قصة رجل عرف أن هناك ما هو أهم من الحب: الحرية. وكان لدى همنغواي ناشر لا يتوقف عن تشجيعه وحثه على النشاط والسرعة في الانجاز، لأنه كان يؤمن -أي الناشر- بأن عدم نشر أي كتاب لسنوات عديدة يتيح الفرصة لنسيان الكاتب من قبل القراء. لكن همنغواي لم يكن يرى ذلك. فالكاتب الجيد لا يُنسى أبداً. كما أنه كان يحب أن يأخذ وقته في التفكير قبل كتابة أي عمل. وحين لاحت له فكرة (العجوز والبحر) أخفى على الجميع، حتى على زوجته، أنه يكتب عملاً جديداً، لأنه لم يكن متأكدا هل بإمكانه أن يصير همنغواي جديد، همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية، وليس همنغواي الملاهي الليلية والملاكمة ومصارعة الثيران والنساء الجميلات والحروب والثورات. وبالفعل استطاع همنغواي أن يخرج بعمل مغاير. وتصدرت الرواية الصغيرة -أقول صغيرة لأؤكد على أن الوصف الطويل ليس من صفات عمله- قائمة أشهر وأفضل الكتب في أمريكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في كل مكان.

إدجار والاس والعلوقية

show-photo

كان ادجار والاس من الكُتّاب العلوق. فحياته بها الكثير من المتع التي بحاجة إلى بال مرتاح ومزاج لا يتعكر أبداً. لديه مثلاً ثلاث سيارات، وكثير من الخدم، وبيت كبير ببارس. وكان وجوده في بيئة أرستقراطية يحتم عليه أن يُقيم الحفلات وأن يسافر كثيرا إلى لندن وسويسرا. ولم يكن يكتب في الحقيقة إلا لأنه يريد أن يجمع أموالا طائلة كى يستطيع أن يشارك دوماً في سباق الخيل الذي يشكل متعته الوحيدة. وفي أحد الأعوام عرضت عليه شيكاغو ديلي نيوز أن يؤلف رواية بوليسية مقابل خمسة آلاف دولار بشرط أن يسلم الرواية في الموعد الذي ستحدده، فهي لا تنتظر بعد الموعد يوماً واحداً ولا حتى ساعة. ولأن والاس لا يحب العمل ظل يضيع وقته في سباق الخيل ولم يتبق أمامه سوى خمسة أيام فقط ليسلم الرواية التي يجب أن تحتوى على ما لا يقل عن مائة ألف كلمة. لم يكن أمام والاس سوى أن يجلس ويكتب لأنه بحاجة إلى هذا المبلغ المحترم. في اليوم الأول جلس أمام طاولته. لا شيء يخطر على باله. لا فكرة واضحة. الصفحات العشر الأولى من أصعب الصفحات كتابة عنده. هنا تكمن العقدة الحقيقية في كتابة أي رواية. في اليوم الثاني قرر أن يذهب لسباق الخيل ويعود في المساء ليحاول الكتابة من جديد. وبهذا يكون أمامه ثلاثة أيام ونصف فقط على تسليم الرواية. وبالفعل عاد والاس من السباق وبدأ كتابة الفصل الأول بعنوان الخائن، والذي سيكون في النهاية عنوان الرواية. انعدم إحساسه من هذه اللحظة بالزمن. إنه لا يعرف النهار من الليل. الستائر مسدلة والأنوار مولعة. والاس لا يرى ولا يسمع. لا يرد على زوجته أو على سكرتيره. يدخل عليه الخادم بهدوء كل نصف ساعة ويضع فنجان شاي. إنه يشرب في اليوم أربعين فنجاناً ويدخن ما يقارب المائة سيجارة. من كان يرى والاس وهو يكتب يقول إنه كاتب لا يضيع وقته أبداً ولا يعنيه من الحياة سوى الكتابة. استطاع والاس في هذه الأيام القليلة أن يكتب الرواية وأن يسلمها في الموعد المحدد. وحين عاد سكرتيره بالشيك وجده قد أخذ حماما وحلق ذقنه وارتدى ثيابه قائلاً له: هيا نسرع قبل أن يفوتنا السباق.

محمود خير الله: الشعر يَفِي بوعده دائمًا

55776291_10217113819951761_4956193325288783872_n

في منتصفِ التسعينيات، كان محمود خير الله يستقلُّ القطارَ يوميًا حتى يأتي إلى القاهرة. كان يستقلُّ القطارَ وهو لا يعرفُ ما الذي ينتظره: أيُّ الوجوه سوف يُحدِّقُ فيها، أيُّ الأكتاف سوف يصطدمُ بها. كان يستقلُّ القطارَ وهو مُستسلم تمامًا. مُستسلم للوقتِ الذي يمرُّ ببطء، وللنوافذِ التي تعبر سريعة. مُستسلم للذباب، وللسِّباب. مُستسلم للأذْرُعِ المبتورة، وللأرجلِ التي لا تعرفُ الطريق. مُستسلم للغبار، وللباعةِ الذين يرفعون أصواتهم ويلوحون بأيديهم كأنهم يُؤدُّون الرقصةَ الأخيرة. مُستسلمٌ للسعالِ الذي يستقرُّ على قميصه، ولدخانِ السجائرِ الرديئة. مُستسلمٌ لِلُّصوصِ ولمرضى الجُذَامِ ولأهالي المساجين. مُستسلمٌ للعاهراتِ وللعجائزِ وللفلَّاحاتِ ذواتِ الجلاليبِ السوداء، والملوّنةِ كذلك. مُستسلمٌ لِمُحصِّلِ الأجرة.. الوحيد الذي لم يروِ له حكايته. مُستسلمٌ للرجالِ الذين يتثائبون طيلةَ الوقت، وللرُّضَّعِ الذين يصرخون لأن لا أمَّ بإمكانها أن تمنحهم صدرها. مُستسلمٌ للجثثِ التي تلمعُ من بعيد، وللمقابرِ التي تخبره أن الموت نهاية أي شيء. مُستسلمٌ لنفسه.. نفسه التي لا تعرف أي جرم ارتكبته حتى ترى كل ذلك.

كان محمود خير الله يستقلُّ القطارَ وهو يعي تمامًا أن المصروف الذي أخذه من أمه لن يكفيه، وأن المسافة لن تُنسيه مرارة أنه ابن زنجي. ولولا أنه يريدُ من البدايةِأن يكونَ شاعرًا حقيقيًا، لأصبح واحدًا من الضحايا الذين يُخَلِّفُهُم القطارُ وراءه. ولا أقصدُ بالضحايا هنا، الموتى والمصابين، إنما العاديون والبسطاء، فكل مَنْ ركبَ القطارَ صارَ ضحيةً بشكلٍ أو بآخر.

يقول محمود خير الله إنه خلال الانتظار الممل في القطار، الذي قضى فيه قرابةَ الخمسمائة ساعة، تعلم كيف يقرأ البشر، وعرفَ أن هذا سوف يقربه أكثر من الشعر.

هكذا كان يتعايش، فلم يكنْ يستقلُّ القطارَ أبدًا لأجلِ أن يصلَ إلى المدينة، ولكن لأجلِ أن يصلَ إلى الشِّعر. ولم يكنْ الوصولُ سهلًا بالطبع. احتاجَ منه الأمر سنوات طويلة حتى يستطيع أن يكتبَ القصيدةَ التي يريد. وفي ديوانه الأحدث (الأيامُ حين تعبر خائفة)، الذي أعتبره ديوانه الأجمل، نجده يتعرَّى أخيراً، لكنه وهو يفعلُ ذلك، عَرَّى العالمَ معه. العالم الذي يشبه -عنده- القطارَ كثيرًا، فهو لا يريد سوى أن يمشي مُختالًا بين “الشجر”.

يعيشُ محمود خير الله الآن في مدينةٍ فاخرة، في بيتٍ هادئ، يطلُّ على حديقةٍ صغيرة. ولا يستقلُّ سوى سيارته الخاصة. يعيشُ ولا ينسى هذا “الكيان الضخم الذي يحملُ أحلامَ الفقراء”. لا ينسى صراخه وهو “يَعْبُرُ مُتجهمًا بين العِشَشِ والمساكن”. لا ينسى شاربَهُ الذي يحملُ عليه رجالًا أشداء. لا ينسى الآلامَ التي شربها فيه، والتي يسقي بها دومًا قصائِدَه. وربما هذا ما علَّمَهُ له القطار، ألا ينساهُ أبدًا، لأنه سوف يأتي يوم ويحملُ له النهرُ جثَّةَ عدوِّه، خصوصًا النهر الذي يعبره هذا القطار.

هنا أحاورُ محمود خير الله الذي لا يزال يجرى وراءَه الرجلُ العجوزُ الذي خطفَ منه برتقالتَه، والذي لم تُبْقِ له الحياةُ شُرْفَةً على حالها.

متابعة قراءة محمود خير الله: الشعر يَفِي بوعده دائمًا

الطوق والأسورة.. جُـرحٌ لـم يلتئـم بعـد  

BeautyPlus_20181218162444460_save_1.jpg

ربما هو الجنون، الذي يدفعني بعد كل هذا الموت للبحث عن يحيى الطاهر عبد الله. ربما هو الوهم، الذي يجعلني أذهب إلى قرية الكرنك لأرى إذا كان أبطالها عائشين أم لا. أما ما هو أكيد هو أنني حتماً سأصل لشيء.

لا أعرف متى كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها فيلم الطوق والأسورة، كنتُ صغيرة جداً، لكنني أعرف ذلك السحر الذي تركه بداخلي.

صوت شريهان وهي تغني: خَد شاله الحرير وطقيته الكشمير، لا يزال يتردد بداخلي، لدرجة وأنا أقرأ الرواية مؤخراً ظللت أبحث بين السطور عن صوتها.

لا أظن أن يحيى كان يتوقع أن واحدة مثل شريهان كانت ستقوم بدور فهيمة؛ البنت المسكينة/ الجميلة التي وجدت نفسها ضحية لجهل أم، وجبروت رجل.

لو كان يحيى يعلم لما جعلها تموت، أو تُذبح.

المشكلة أن يحيى لم يكن يعلم، المشكلة أنه نقل الحكاية كما هي، ولهذا غضب الناس منه.

يحيى كان بإمكانه أن يحوّل أي شيء إلى قصة؛ جلسة، مقابلة، مكالمة مع أحدهم، أو قعدة على المصطبة. يحيى جعل من نفسه قصة. جرب في نفسه أولاً، ثم بدأ ينهل من الجميع.

كان يقول: الكتابة بالنسبة لي متعة.. كما هو الأكل.

يحيى لم يفوت حكاية إلا ودوّنها. وهذا ليس لأنه يريد أن يكتب فقط، بل لأنه يريد أن يكون لهذه القرية حس. هذه القرية المنفية. هؤلاء الناس المنفيون. هو المنفي أيضاً.

في زمنه، لم تكن القرية تعي بما يفعله، ولم يكن هو يبالي.

لقد كان زمن القول، لا القراءة، زمن الناس الذين لا يملكون سوى آذانٍ، وربما لهذا كان يحيى يحفظ الحكاية قبل أن يكتبها، حتى يرويها وتسمعها تلك الآذان.

أما الآن، فالوضع تغير، صحيح أن الناس لا يزالون لا يقرأون، لكنهم باتوا يعرفون أن يحيى قال عنهم كل شيء.

هل هي الفضيحة فعلاً؟ لا أعتقد. هو الكشف. لا أكثر.

ورغم ذلك، ذهبتُ وأنا متفهمة تماماً، أن “الطوق والأسورة” جرحٌ لم يلتئم بعد.

متابعة قراءة الطوق والأسورة.. جُـرحٌ لـم يلتئـم بعـد  

يوسف شاهين.. الحدوتة لم تنته بعد

حسناً، دعونا نبدأ من شيء تم تداوله مؤخراً على الفيسبوك، لأن الكتابة عن يوسف شاهين مثل الكتابة عن الحياة؛ صعبة، ومُحيرة. أنت أمام شخص أسطوري. شخص لن يتكرر ثانية. شخص يُشبه الصحراء في اتساعها، ويُشبه الأفق في لا نهائيته. شخص قرر أن يظل موجوداً. أن يظل يرقص، ويغني، ويصوّر. هذا الشيء هو فيديو يتحدث فيه جو، ليسمح لي أن أقول له جو، عن الحضارة، حيث أراد شخص أيرلندي، أظن أنه صحفي، أن يعرف منه إحساسه لكونه من العالم الثالث. وبطريقته المعهودة، زعق فيه جو بلطف، وبخفة، وبجدية، في آن، قائلاً والسيجارة تتدلى من فمه: يا إلهي.. لقد كُنا هنا منذ سبعة آلاف سنة.. أنت الذي من العالم الثالث!

هو ليس كالذين لا يفعلون شيئاً سوى التغني بالماضي، هو يعي ويدرك قيمة بلاده، وتاريخها، وربما لأجل ذلك لم يفكر يوماً في الهجرة، رغم أنه درس التمثيل وفنون المسرح والدراما في أمريكا وهو في بدايات شبابه. إنه يؤمن بالسفر، برؤية عوالم جديدة، وبشر مختلفين. يؤمن بالانفتاح على الآخر. يؤمن بالذهاب، لكنه في نفس الوقت يؤمن بالعودة. فعلى الرغم من المقولة التي يرددها البعض: سافر فأنت لست شجرة، إلا الإنسان مثل الشجرة فعلاً، يظل جذره ممتداً في الأرض الذي نبت فيها. وهذه كانت قناعته التي ظهرت جلياً في غالبية أفلامه، فأبطاله أو شخصياته إما يتطلعون للسفر، أو يحلمون برؤية البحر. مثل عمر الشريف في (صراع في الميناء) الذي كان يتهيأ دائماً للسفر، ومثل عزت العلايلي في (الاختيار) الذي لعب دور البحار. السفر بالنسبة له طريقة لمعرفة الذات، إذ يرى أنه وسط الغرباء فقط يستطيع المرء أن يعرف نفسه، ويفهمها جيداً.

وكان يطلق على هذه الشخصيات اسم الشخصية البحرية، وكان يعرفها بأنها الشخصية التي تكتسب من البحر صفاته، وطباعه، فهي شخصية منفتحة، متقلبة، هادئة أحياناً، ثائرة كثيراً، وعاصفة إذا تطلب الأمر، وهذه كانت شخصيته، فهو ابن البحر، ابن إسكندرية، التي ولد فيها عام 1926 -لعائلة كاثوليكية لبنانية- والتي كانت حينها مدينة كوزموبوليتانية، أو مجتمعاً للخواجات، كما كان يُطلق عليها، ويبدو أن جو تأثر بها دون أن يشعر، للحد الذي جعل وجهه مع مرور الوقت يكتسب ملامح أجنبية، وجعل فنه كوزموبوليتانياً، إذ كان يأخذ من هنا (الثقافة المصرية) وهناك (السينما الغربية)، حيث اهتم بالرقص والموسيقى والغناء، وعرف كيف يوظفهم جيداً داخل السياق الدرامي للفيلم، كما اهتم بالصورة، أو الكادر السينمائي، الذي كان يسيطر فيه على حركة الممثلين بداخله، فينتج لوحة فنية بامتياز.

ولعل هذا ما جعل شركة انتاج (مبارزيم) تستعين به وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ليخرج فيلمه الأول (بابا أمين) عام 1950، بطولة فاتن حمامة وكمال الشناوي، كنوع من التجديد في دماء السينما المصرية، إذ قالت الشركة في تقديمها للفيلم: “حاولنا في إنتاجنا لهذا الفيلم أن تكون في القصة طرافة (..) وعهدنا بها إلى مخرج شاب درس الفن في مدينة هوليوود وقد التقت أهدافه بأهدافنا في أن نسمو بالفيلم المصري، وإنا لواثقون بأنه سيدعم ثقة المؤمنين بالفيلم المصري وسيكون للمتشائمين نقطة التحول نحو الإيمان بأن السينما المصرية تستطيع أن تقف في معرض الإنتاج العالمي قوية ثابتة رأسها في السماء”. ربما كان الإيمان الشديد به دافعاً لأن يظل حريصاً كل الحرص على أن تكون أفلامه مغايرة، أفلاماً لا يكون هدفها تسلية الجمهور، بل أن تجعل المتفرج يخرج من صالة العرض وفي ذهنه تساؤل عما يريد أن يقوله هذا الرجل (المخرج).

جو نفسه كان يحاول أن يفسر أحياناً بعد أن ينتهي من الفيلم، ما يريد قوله، أو ما يقصده، ولأنني لا أريد أن أخرج بهذه السرعة من الحديث عن الإسكندرية، كان لجو مشهد افتتاحي ظهر فيه في فيلم (إسكندرية كمان وكمان) وهو ينظر فيه من شرفة إلى البحر، وحين سُئل عن سبب هذه النظرة، قال: “احتاج لمشاهدة الفيلم مرة أخرى لأحلل معنى نظرتي”. لقد كانت إذن نظرة عفوية، تُعبر عن إحساسه تجاه المدينة التي ظلت تثير إعجابه، وحزنه، في آن، فهناك أدرك معنى الحياة، ومعنى أن تعيد المُدن بناء نفسها. كما أن هناك تربى، ونشأ، وتعلم العوم، وكاد أن يغرق لمرات عديدة. هناك أيضاً تشاجر، وتمزقت ملابسه، وعمل في الميناء، خلال الحرب العالمية الثانية، وحصل على أول أجر في حياته.

كانت الإسكندرية مؤثرة فيه، كإنسان، وكمخرج، ليس لكونها مدينته، ولكن لكونها نموذجاً مُصغراً لبلده، ولكل البلاد العربية. جو لم يكن متفائلاً في السنوات الأخيرة من عمره بما نمر به من فقر وبطالة وقهر، إذ كان يرى الخطر قادماً،وربما عبر عنه في أخر أفلامه (هي فوضى)، والذي تناول فيه التعذيب في السجون، وبطش رجال الأمن، وثورة الناس في النهاية، واقتحامهم للأقسام، كما لو أنه كان يتنبأ بما سنتعرض له في عام 2011، وما بعده. جو كان يؤمن بالتعددية في الأفكار والأحلام والنظم، وكان ضد الأبوية بكل أشكالها. كما كان يُقدس الإبداع لأقصى حد. ومرة قال: “هناك فئة ترفض التنوير وترفض مخاطبة العقول، وتريد من المبدعين أن يكمموا أفواههم، ويريدون من أمثالي تقديم الأعمال الهابطة”.

نعود إلى الفيديو الذي تحدثنا عنه في البداية، كان يوسف شاهين يرى أن العالم لا يجب أن يُقسم هكذا، وأن علينا فهم ما تعنيه الحضارة. الحضارة هي أن تعرف كيف تتواصل مع الآخرين. تعرف كيف تحب. كيف تهتم. يضيف: “في مصر، إذا ذهبت إلى رجل فقير، لا يملك شيئاً، سوف يأخذ من جاره قطعة خبز ليعطيها لك، أما في أوروبا ربما يُغمى عليك كجثة في الشارع، وتجد الناس يسيرون إلى جوارك، كأنهم لا يرون شيئاً”. هكذا كانت ثقافته، وفكره. هكذا كان ينحاز للمهمشين والضعفاء والذين ينشدون الحرية. هكذا كان يرى العالم والفن والحضارة من وجهة نظر يسارية. جو حدوتة حقيقية، وعلى الرغم من مرور عشر سنوات على رحيله، إلا أن الحدوتة لم تنته بعد، ولن تنتهي أبداً.