محمد عيد إبراهيم.. والآن يضحك في قبره

كغيري، مد لي محمد عيد إبراهيم يده، إذ كان يدلني بعطفٍ وحنوٍ شديدين على أخطائي، ويحتفي في المقابل بأي نص أكتبه ويراه مختلفاً، للحد الذي كنتُ أشعر فيه بالزهو والنقص معاً، فهو دائم المنح، دائم الرحمة، دائم الود، وأنا كنتُ -ولازلتُ- دائمة الحذر، دائمة الخجل، دائمة الانزواء. أذكر أنني على مدار الثلاثة أعوام الماضية ظللتُ من فترة لأخرى أكتب له رسالة لأعلن فيها عن رغبتي المُلحة في إجراء حوار معه، ثم أمسحها. كنتُ أخشى أن يقولون إنها تفعل ذلك لأنه فقط يدعمها، يا الله، إلى أى مستوى أوصلنا هؤلاء؟! الآن، أشعر بندمٍ هائل، ندمٍ سأداريه كما لو أنه فضيحة، لأنني أضعتُ على أنفي فرصة أن يشم الطين الذي خلق الله منه النادرين، فلا أظن أنني سألتقي ثانية بشخص مثله، شخص لا يشغله سوى أن يتتبع الجمال، أن يربت على كتفك، ويجعلك تتكئ معه على عصاه الوحيدة. لقد كنتُ أراه دائماً يقف وحده في جبهة يشجع ويدعم وينحاز لكل موهوب، أو لكل من لديه ولو سطر شعري واحد جميل، وفي الجبهة الأخرى يقف الحاقدون والمتصيدون والمستعدون لهدمك في أي لحظة. محمد عيد إبراهيم لم يكن فقط متواضعاً، أقصد أنه لم يكن يفعل معنا ذلك بدافع التواضع، إنما بدافع الإيمان الذي يملأه بأن الشعر لا يلين لشاعر واحد أبداً، بأن الشعر يمنح لكل شاعر قطفة من روحه، وهو كان يريد أن يرى الشعر بكل أوجهه، ولم يكن ليحدث ذلك إلا إذا فتش عنه في كل منّا. أستطيع القول إنه أدرك ماهية الشعر، إنه قبض أخيراً على تعريف له، وإلا ما كان مات. أستطيع القول إنه الآن مطمئن تماماً، ليس لأن ما كان يتوقعه وهو أن الجميع سيدرك يوماً قيمته قد صار، ولكن لأن المحبة التي زرعها فينا، طرحت وروداً، وعصافير. أستطيع القول إنه لم يعد يخشى العتمة، لأن له ابتسامة مُشعة، وهو حتماً الآن يضحك في قبره.