لأن الروح المتعطشة للشعر تنتصر دائماً

لم يُحيرني أحد مثل محمد البرغوثي، الذي كُلما صعد إلى قمة ما هبط منها بكامل إرادته، وفي لحظة غير متوقعة، لا لشيء سوى أنه عاجز عن خيانة الشاعر الذي بداخله، الشاعر الذي طالما نحاه جانباً، حتى لا يكون سجين ذاته، مثلما فعل غيره من الشعراء، الشعراء الذين يبررون عجزهم بجعل أنفسهم غير مفهومين، والذين وضعوا أنفسهم بمنأى عن العالم خوفاً من أن يتهشموا عند أول صراع.

لا يخفى على من يعرفه، أنه ناضل كعفريتٍ حتى يُبعد الشعر عن طريقه، وأنه أنهك قواه تماماً في الصحافة كى يكون قادراً على امتلاك مصيره، حتى أنه ظل ملعوناً من البعض، رغم أنه لم يتخل عن مهمة المُبدع في أن يتدفأ بالنور.

البرغوثي من هؤلاء الذين عانقوا الواقع، وأدركوا مُبكراً ضرورة أن ترمى وراء ظهرك كل المفاهيم الأدبية البالية، أو بتعبير آخر، ضرورة أن تقف عارياً في وجه الريح.

حين كنتُ أسأله عن سبب عزوفه طيلة هذا العمر عن نشر قصائده، كان يرد بإجابات لا تُقنعني، مثل أنه لم يجد دار نشر تسعى إليه، أو لأنه كان يوزعها على حبيباته الكثيرات، أو لأنه مُستهتر فيما بعد الكتابة، مذيلاً هذه الإجابات بالعبارة الشهيرة “كل شيء شعر إلا الشعر”.

إنه اليأس الذي يعرفه كل شاعر حقيقي: أن ما يكتبه لن يُفيد، وأنه سيعانى، معاناة البذرة تسقط في تربة عقيم.

كان البرغوثي، ولا يزال، ناقماً على معظم شعراء التسعينيات، لأنه يرى أنهم سقطوا في قبضة العدم، في قبضة الكفر بكل القضايا، بحجة أنهم أبناء حساسية جديدة، أبناء الهامش، الهامش الذي راحوا يمجدونه، مما جعلهم يفقدون اليقين بكل شيء، حتى بأنفسهم.

لم يرتضِ إذن أن يكون من ضمن هذه الموجة، هذا الخواء، كما يُسميه، ويكتب عن الوحدة والعزلة والتفاصيل اليومية، لذا اختار أن يتراجع، بعد أن كان واقفاً على العتبة، لأنه عندما لا تستطيع أن تُصبح نفسك، فبإمكانك أن تُصبح أشخاصاً كثيرين.

بالطبع، رأيتُ أنه متحامل على الشعر، والشعراء، وأنه كان يجب أن يكون موجوداً بأي طريقة ممكنة، وكان يقول: “افهميني، لقد حاولتُ كثيراً، لكن كان هناك اتجاه مُعادٍ للقصيدة التي لها معنى، كما أنني وجدتُ أنه من الأجدى لي أن أتناول قضايا الناس وأنادى بحقوقهم في تحقيقات صحفية من أن أكون شاعراً هشاً وغامضاً”.

هذه الطبيعة المتمردة هي التي ميزته عن القطيع، لأنه ببساطة محطم تماثيل، وقادر على كشف كل ما هو زائف ومنافق.

نجا البرغوثي مراراً من الاستلاب، فحين كان طالباً في الثانوية العامة، انضم إلى جماعة الإخوان لمدة ثلاثة أشهر، ورغم أن وعيه حينها كان محدوداً جداً، إلا أنه لمس كذبهم من موقف بسيط، حين دخل على الأمير في معسكر الاختبار ووجد أمامه طبقاً ممتلئاً بالبيض في حين أنهم لا يأكلون سوى بيضة واحدة في اليوم!

بعدها، انضم لجماعة التكفير والهجرة لمدة ستة أشهر، وكان دوره نسخ كتاب الحجاب لشكري مصطفى، وفي هذه الفترة وقع في يده بالمصادفة كتاب عن قصة حياة أنطون تشيخوف، فقال له أحد الإخوة إن هذا الكتاب بإمكانه أن يفسده، لكنه حين قرأه شعر بشيء يسري في دمه. شيء كالفراشة.

أهم درس تعلمه من تشيخوف، هو حتمية أن يتخلص المرء من العبودية المتجذرة في روحه.

ولد محمد البرغوثي عام 1961 في إحدى قرى محافظة الدقهلية، وتسربت إليه بطبيعة الحال كل صفات الفلاحين، الجميلة منها، والسيئة، ولأنه متمسك بأصله وهويته، حرص على أن يظل واحداً منهم من دون أن يكون مكبلاً بإرث يُعيقه عن أن يحيا في فضاء أوسع، كالمكر مثلاً، فالفلاح قديماً كان قليل الحيلة، ولا يملك سلاحاً لمواجهة النهب المستمر الذي يتعرض له من قبل السلطة سوى المكر، والمكر من أساليب العبيد، لذا كان عليه أن يتخلص منه، لأن الحرية التي يطلبها كانت حرية ذاته في تأكيد نفسها دون قيد.

وفي العشرين من عمره، عرف الطريق إلى اليسار، ولأنه كان يُفضل أن يكون منتمياً لكيان ما، انضم لحزب التجمع، ثم منه للحزب الشيوعي المصري، ليجد أنه على وشك السقوط في بئر من الادعاءات، فيقرر أن يبتعد، بلا رجعة، وألا يكون منتمياً بعد ذلك سوى لنفسه وقناعاته.

يقول: “كنتُ محظوظاً لأنني تركتُ اليسار في سن مبكرة، لكنني مدين له، لأنه مكنني من امتلاك وسيلة لفهم العالم. الفنان في جوهره إنسان رافض، لذا كان عليّ أن أرفض كل محاولات اليسار في تشويهي، أو جعلي شخصاً مثيراً للاشمئزاز. أسوأ ما في اليسار المصري والعربي هو التباهي بالإلحاد، الذي لستُ ضده بالمناسبة، لأن كل شخص حر فيما يعتقد، لكنني ضد تحطيم آمال الناس. زوربا اليوناني كان له موقف ضد هؤلاء الذين يسعون لهدم الموروث الديني، فحين سأل المثقف بعفوية شديدة عن البديل، ولم يقدم له بديلاً، نهره قائلاً: دع الناس على الأقل يعيشون في ظل احتمال أنهم سيأخذون حقهم في العالم الآخر. الظلم فادح ومُهين وكاسر للقلب، لذا لا يمكنني أن أذهب للضعفاء وأقنعهم أن ليس هناك إله بدلاً من أعيد لهم حقوقهم. عظمة نجيب محفوظ تكمن في رأيي أنه استطاع أن يهضم ثقافة هذا البلد وتاريخه ويقف عند أهم مراحله دون أن يمس الوجدان الشعبي بسوء، فلقد لخص موقفنا تجاه المطلق بعمق شديد حين قال على لسان جعفر الراوي في رواية قلب الليل: أنا عاجز عن الكفر بالله”.

يتحدث البرغوثي بالطريقة التي يكتب بها. يتحدث بحرارة، وعروق نافرة. كأن أحداً يلصق فوهة مسدس في ظهره، ويطلب منه أن يقول قولته ويغلق فمه إلى الأبد. ولا يعني هذا أنه خال من العيوب، على العكس إنه يرتدي أحياناً ثوب الخطيئة، لتكون واضحة للأعين، فبإمكانه مثلاً أن يسبك على العلن، إن أعطاك ثقته وسره، وطعنته في نهاية الأمر. إنه يكره الدناءة، ولا يمكنه مهما حدث أن يدهس رقاب الناس لكى يتقدم الصفوف، وهو ما تعلمه من صلاة الجماعة، أن الوقوف بمن أتى أولاً. وحتى أختصر كلاماً كثيراً عنه، هذا مقطع من قصيدته (شجر مخلوع):

فلاح فصيح الخضار
مازرعش بالأجرة
شرشوح قليل الأدب
ماجرحش ولا مرة

يكتب البرغوثي شعر العامية، ولديه قاموس هائل من المفردات الحية، فليس غريباً مثلاً وأنت تقرأ قصائده أن تشعر بالندى وهو يتساقط على وجهك، أو أن تشم رائحة الغيطان، أو أن تسمع خفق أجنحة الطيور، وهذا تقريباً دور الشاعر، الذي عبر عنه أمبرتو أكابال باختصار حين قال: “إن حدث وقُدمت لك في قصيدة كأس ماء فقرأتها وشعرت ببرودتها، فإن من قدم الكأس لك يُسمى شاعراً”، ولنشأته الريفية الأثر الأكبر في ذلك، لأنه شاهد الطبيعة على أصولها، واحتك بها، فما من شجرة لم يتمكن من اعتلائها، وما من نخلة لم يأكل من بلحها، حتى النهر لم ينجُ منه، وغرق فيه.

هو من القليلين جداً الذين لم تغوهم المدينة، رغم أنه يعيش فيها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وإن دل ذلك على شيء، فيدل على أنه ليس مُدعياً، فالمثقف اليوم يلعن المدينة ويصفها بالعاهرة ولا يكتب سوى عنها!

في روايته الأولى -والوحيدة حتى الآن- (داير الناحية) التي صدرت عام 2018 عن دار سما، كتب البرغوثى عن قريته، لكى يرثيها، ويرثي حياته، وقصائده، التي أضاعها، فخالد سرحان البطل يُشبهه كثيراً في عفويته وثوريته ونزقه وسخريته، إنه شخص يمزق قلبه كل يوم، ويلتهمه، ويرى أبعد كثيراً من آمال وأحلام الساسة والناس العاديين على حد سواء.

لن أنكر أنني اندهشت لأنه حين أراد أن يكون له عمل أدبي في السوق اختار أن يكون رواية، رغم أنها رواية آسرة. في الحقيقة كل ما يكتبه آسر، حتى لو اختلفت مع محتواه، لأنه من الغيورين على اسمهم، فلا يمكنه أن يكتب شيئاً، حتى لو مقالاً، إلا إذا كان جيداً. ووقتها أخبرني إنه وجد نفسه مدفوعاً لكتابة هذه الرواية، كأن نذراً عليه، أو كأن قطاراً سريعاً على وشك أن يدهسه.

يقول إن أمامه عشر سنوات يستطيع فيها أن يعوض ما فاته!

أعرف هذه الرغبة، هذه الروح المتعطشة للشعر، والتي تنتصر حتماً في النهاية، لذا حين أعطاني ديوانه (مغصوب أقولك كل مرة وداع)، الذي جمع فيه القصائد التي استطاع أن يجدها والتي كتبها خلال سنوات متفرقة، لكى اقرأه، شعرتُ بغصة لم أشعر بها من قبل، لأنه ليس وحده من فاته الكثير، إنما نحنُ أيضاً.

لقد قلتُ في البداية إنه عاجز عن خيانة الشاعر الذي بداخله، لكن ها هو يخون، ها هو يوافق على النشر، ويمنحنا رقبته للمرة الأولى.

تقديمي لديوان الأستاذ محمد البرغوثي (مغصوب أقولك كل مرة وداع) الصادر عن أخبار الأدب

نُشرت بواسطة

إسراء النمر

صحفية مصرية من مواليد القاهرة (٢٧ يوليو 1991). درست الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة (2008 - 2012). التحقت بمؤسسة أخبار اليوم في أكتوبر 2010، والآن أعمل لدى جريدة أخبار الأدب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s