همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية

JJLAa.jpg

كتابات همنغواي الأولى كانت رديئة جداً، بشاهدته، وشهادة معلميه، مثل الشاعر عزرا باوند الذي كان يراجع نصوصه، والذي كان يخط بقلمه الأحمر دون شفقة. همنغواي لم يكن يؤمن بأن الكتابة موهبة، وأمر يتخلله الحماسة والمزاجية، بل حرفة بإمكان الواحد تعلمها واتقانها بعد تعلمها. وربما عزز عنده هذه الفكرة أنه كان صحفياً، وأنه كان معتاداً على قول كل ماعنده، دون أن يترك للقارئ فرصة أن يعرف بنفسه دواخل الناس الذين يتحدث عنهم. وهو ماجعله في وقت ما يتوقف عن الكتابة وينصرف إلى قراءة الأخبار الرياضية لأنها تصور ما حدث وليس ما يحس وما يفكر به الكاتب. وهذا أول درس تعلمه همنغواي أن عليه أن يكون بسيطاً. بسيطاً في وصفه، وفي لغته. فكان مثلاً يتجنب استخدام الألفاظ المدوية، والأفعال الكثيرة، فإذا دار حوار ما في إحدى رواياته فإنه يركز على فعل “يقول” وليس على يحكي، أو يتحدث، أو يصرح. كما كان يتجنب كل مايتعلق بتذكير القارئ حول وجود المؤلف. فالناس في الواقع يحكون حياتهم ببساطة، وليس بهذا التعقيد الذي نقرأه على ألسنتهم في الروايات. وأدرك همنغواي مبكراً أنه لا يستطيع أن يكون صحفياً وكاتباً في آن واحد، ورفض كل العروض الصحفية التي كان بوسعها أن تجعله يعيش دون هموم، واكتفى بأن يكون غذاؤه الوحيد لسنوات طويلة البطاطا المقلية، وأن يكون أصدقاؤه القطط التي كان يجمعها من الشوارع. كما حاول أن يستغل كل وقته، إذ كان يستيقظ في السادسة صباحاً ويشرع على الفور في العمل. كان في الحقيقة يكتب باستعجال ويستنفد قواه بشكل كبير. وفي عام 1922 أخبرته زوجته بأنها فقدت الحقيبة التي تحتوي على كل المسودات والنصوص في محطة القطار، فشعر همنغواي بالضياع وظل يشرب ويشرب. لكن صوتاً ما بداخله كان يقول له على الدوام “عليك البدء من جديد”، ولم يكن يتوقف هذا الصوت، حتى بعد أن ذاع صيته بعد نشر روايته الأولى (الشمس تشرق من جديد)، التي بيع منها وقتها في الولايات المتحدة فقط 26 ألف نسخة، وأيضاً (لمن تقرع الأجراس) التي تتحدث عن قصة رجل عرف أن هناك ما هو أهم من الحب: الحرية. وكان لدى همنغواي ناشر لا يتوقف عن تشجيعه وحثه على النشاط والسرعة في الانجاز، لأنه كان يؤمن -أي الناشر- بأن عدم نشر أي كتاب لسنوات عديدة يتيح الفرصة لنسيان الكاتب من قبل القراء. لكن همنغواي لم يكن يرى ذلك. فالكاتب الجيد لا يُنسى أبداً. كما أنه كان يحب أن يأخذ وقته في التفكير قبل كتابة أي عمل. وحين لاحت له فكرة (العجوز والبحر) أخفى على الجميع، حتى على زوجته، أنه يكتب عملاً جديداً، لأنه لم يكن متأكدا هل بإمكانه أن يصير همنغواي جديد، همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية، وليس همنغواي الملاهي الليلية والملاكمة ومصارعة الثيران والنساء الجميلات والحروب والثورات. وبالفعل استطاع همنغواي أن يخرج بعمل مغاير. وتصدرت الرواية الصغيرة -أقول صغيرة لأؤكد على أن الوصف الطويل ليس من صفات عمله- قائمة أشهر وأفضل الكتب في أمريكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في كل مكان.

الإعلانات

نُشرت بواسطة

إسراء النمر

صحفية مصرية من مواليد القاهرة (يوليو 1991)، درستُ الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة (2008 - 2012). التحقتُ بمؤسسة أخبار اليوم في أكتوبر 2010، والآن أعمل لدى جريدة أخبار الأدب.

One thought on “همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s