علي منصور: كتبت قصائد إيروتيكية ولن أنشرها لأنها إثم

BeautyPlus_20190613172858857_save

لا أعتقد أن على منصور كان يسأل كثيراً -وهو طفل- عن الله. لا أعتقد أنه مر بالحيرة التي مررنا بها. فهو محظوظ -أقول محظوظ وأعرف كم سيؤلمه هذا- لأن والده مات قبل أن يبلغ الرابعة، إذ صوّر له خياله البريء، أن جبريل سينزل عليه، ويراضيه بالنبوة. لا أعتقد أن على منصور كان سيتحمل ما تحمله النبي، إنه هش جداً، هش مثل قشة التبن التي كان ينزعها من حائط الطوب اللبن. لقد ألمح لي بذلك، إذ قال بخجلٍ وحزنٍ شديدين: “أنا ضعيف وجبان، كلما تحدثتُ في أمرٍ يخص الدين، وينتقدني أصحابي المثقفون، أنكمش على ذاتي، وأبتعد”.

أحبُ أن أذكر أن على منصور ولد في الأول من شهر جمادي الأولى عام1376 ه، وأنه يحب سورتي الأنعام والنحل، وأنه مفتون بمفردة (أفمن) التي ترددت في القرآن خمسة عشر مرة، مثلما في سورة الزمر، أية 22، (أفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ). أحبُ أن أذكر حكايات كثيرة عنه، خصوصاً حكايته مع زوجة أستاذه المسيحي، التي عرفت أنه -وهو الذي بالكاد أتم عامه العاشر- يتخلف عن موعد الدرس، لحرصه على أداء الصلاة في موعدها، والتي أحبته، وعطفت عليه، لأنه يتيم، وفقير، والتي نادته في يوم، وأخذته إلى غرفتها.

يقول: “كنتُ مأخوذا بالطبع، لكنها طمأنتني، وأمسكت بيدي ووضعتها على رأس رضيعها المحموم، متوسلة أن أقرأ شيئاً من القرآن، فرحتُ أقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين”.

يتعجب الكثيرون منه لأنه يتحدث دائماً عن الدين، ويظنون أنه أتى خطأً إلى الشعر. إنه توليفة مختلفة. يؤمن بالله والطبيعة والبشر. ويؤمن في آن بالفن والصيدلة والماركسية. وفي المرات التي رأيته فيها، لاحظتُ أن وجهه يحمل يقيناً غريباً، تقريباً لم ألتق بأحدٍ لديه هذا اليقين، وكان يذكرني هذا بمقولة نيتشه “لا الشك، إنما اليقين هو الذي يؤدي إلى الجنون”.

استجمعتُ شجاعتي في أحد اللقاءات، وسألتهُ: ألم تشك يوماً في وجود الله؟، ورغم أنني توقعتُ أن إجابته ستكون بالنفي، إلا أنه فاجئني بأنه ألحد لنصف يوم فقط.

كان ذلك في شهر رمضان سنة 1977، إذ كان حينها منخرطاً في العمل السري، ويحتك بالماركسيين دون غيرهم. وفي يوم كان يجلس مع مجموعة منهم في مقهى زهرة البستان، وحين عرفوا أنه صائم، استهزأوا به، وأزعجه هذا جداً، لأنه كان يشعر في هذه الفترة بأن الدين يقيده، وحتى يثبت لهم أنه مثلهم، ماركسي بحق، فطر على كوب من الشاي، فهللوا، وباركوا له، لكن بمجرد أن عاد للبيت، وعلى مائدة الفطور، شعر باحتقار شديد لنفسه، وظل داخله يصرخ “إزاي يا علي عملت كدا”، ولم ينته اليوم إلا وكان عائداً إلى يقينه.

شغلني أيضاً هل كتب قصائد إيروتيكية؟ شيء ما بداخلي كان يقول نعم، لكنني لم أكن شجاعة بما يكفي لأسأله، وطلبتُ منه أن نجري حواراً في أقرب وقت. لم يتحمس، وحاول أن يقنعني بأن ليس لديه شيء جديد ليقوله، حتى إنه أرسل لي عشرين حواراً أجراها معه زملاء أعزاء، كما أرسل شهاداته عن الشعر، وبالفعل ظللتُ أسبوعاً كاملاً لا أفعل شيئاً سوى أنني أقرأ لعلي منصور، وفي ساعة متأخرة من أحد الأيام هاتفتهُ قائلة: غداً نجري الحوار.

بدون مبالغة جلسنا نتحدث من الثانية ظهراً حتى الثامنة مساءً. لم أشعر بالملل. هو كذلك. لكنهُ بدا خائفاً، ومرتبكاً، وبحاجة شديدة للبكاء، حتى أنه كان يقول لي كلما انتبه إلى أنه أخذ راحته في الكلام: طبعاً مش كل الكلام دا هيتنشر!

متابعة قراءة علي منصور: كتبت قصائد إيروتيكية ولن أنشرها لأنها إثم

همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية

JJLAa.jpg

كتابات همنغواي الأولى كانت رديئة جداً، بشاهدته، وشهادة معلميه، مثل الشاعر عزرا باوند الذي كان يراجع نصوصه، والذي كان يخط بقلمه الأحمر دون شفقة. همنغواي لم يكن يؤمن بأن الكتابة موهبة، وأمر يتخلله الحماسة والمزاجية، بل حرفة بإمكان الواحد تعلمها واتقانها بعد تعلمها. وربما عزز عنده هذه الفكرة أنه كان صحفياً، وأنه كان معتاداً على قول كل ماعنده، دون أن يترك للقارئ فرصة أن يعرف بنفسه دواخل الناس الذين يتحدث عنهم. وهو ماجعله في وقت ما يتوقف عن الكتابة وينصرف إلى قراءة الأخبار الرياضية لأنها تصور ما حدث وليس ما يحس وما يفكر به الكاتب. وهذا أول درس تعلمه همنغواي أن عليه أن يكون بسيطاً. بسيطاً في وصفه، وفي لغته. فكان مثلاً يتجنب استخدام الألفاظ المدوية، والأفعال الكثيرة، فإذا دار حوار ما في إحدى رواياته فإنه يركز على فعل “يقول” وليس على يحكي، أو يتحدث، أو يصرح. كما كان يتجنب كل مايتعلق بتذكير القارئ حول وجود المؤلف. فالناس في الواقع يحكون حياتهم ببساطة، وليس بهذا التعقيد الذي نقرأه على ألسنتهم في الروايات. وأدرك همنغواي مبكراً أنه لا يستطيع أن يكون صحفياً وكاتباً في آن واحد، ورفض كل العروض الصحفية التي كان بوسعها أن تجعله يعيش دون هموم، واكتفى بأن يكون غذاؤه الوحيد لسنوات طويلة البطاطا المقلية، وأن يكون أصدقاؤه القطط التي كان يجمعها من الشوارع. كما حاول أن يستغل كل وقته، إذ كان يستيقظ في السادسة صباحاً ويشرع على الفور في العمل. كان في الحقيقة يكتب باستعجال ويستنفد قواه بشكل كبير. وفي عام 1922 أخبرته زوجته بأنها فقدت الحقيبة التي تحتوي على كل المسودات والنصوص في محطة القطار، فشعر همنغواي بالضياع وظل يشرب ويشرب. لكن صوتاً ما بداخله كان يقول له على الدوام “عليك البدء من جديد”، ولم يكن يتوقف هذا الصوت، حتى بعد أن ذاع صيته بعد نشر روايته الأولى (الشمس تشرق من جديد)، التي بيع منها وقتها في الولايات المتحدة فقط 26 ألف نسخة، وأيضاً (لمن تقرع الأجراس) التي تتحدث عن قصة رجل عرف أن هناك ما هو أهم من الحب: الحرية. وكان لدى همنغواي ناشر لا يتوقف عن تشجيعه وحثه على النشاط والسرعة في الانجاز، لأنه كان يؤمن -أي الناشر- بأن عدم نشر أي كتاب لسنوات عديدة يتيح الفرصة لنسيان الكاتب من قبل القراء. لكن همنغواي لم يكن يرى ذلك. فالكاتب الجيد لا يُنسى أبداً. كما أنه كان يحب أن يأخذ وقته في التفكير قبل كتابة أي عمل. وحين لاحت له فكرة (العجوز والبحر) أخفى على الجميع، حتى على زوجته، أنه يكتب عملاً جديداً، لأنه لم يكن متأكدا هل بإمكانه أن يصير همنغواي جديد، همنغواي البساطة والهدوء والكلاسيكية، وليس همنغواي الملاهي الليلية والملاكمة ومصارعة الثيران والنساء الجميلات والحروب والثورات. وبالفعل استطاع همنغواي أن يخرج بعمل مغاير. وتصدرت الرواية الصغيرة -أقول صغيرة لأؤكد على أن الوصف الطويل ليس من صفات عمله- قائمة أشهر وأفضل الكتب في أمريكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في كل مكان.

إدجار والاس والعلوقية

show-photo

كان ادجار والاس من الكُتّاب العلوق. فحياته بها الكثير من المتع التي بحاجة إلى بال مرتاح ومزاج لا يتعكر أبداً. لديه مثلاً ثلاث سيارات، وكثير من الخدم، وبيت كبير ببارس. وكان وجوده في بيئة أرستقراطية يحتم عليه أن يُقيم الحفلات وأن يسافر كثيرا إلى لندن وسويسرا. ولم يكن يكتب في الحقيقة إلا لأنه يريد أن يجمع أموالا طائلة كى يستطيع أن يشارك دوماً في سباق الخيل الذي يشكل متعته الوحيدة. وفي أحد الأعوام عرضت عليه شيكاغو ديلي نيوز أن يؤلف رواية بوليسية مقابل خمسة آلاف دولار بشرط أن يسلم الرواية في الموعد الذي ستحدده، فهي لا تنتظر بعد الموعد يوماً واحداً ولا حتى ساعة. ولأن والاس لا يحب العمل ظل يضيع وقته في سباق الخيل ولم يتبق أمامه سوى خمسة أيام فقط ليسلم الرواية التي يجب أن تحتوى على ما لا يقل عن مائة ألف كلمة. لم يكن أمام والاس سوى أن يجلس ويكتب لأنه بحاجة إلى هذا المبلغ المحترم. في اليوم الأول جلس أمام طاولته. لا شيء يخطر على باله. لا فكرة واضحة. الصفحات العشر الأولى من أصعب الصفحات كتابة عنده. هنا تكمن العقدة الحقيقية في كتابة أي رواية. في اليوم الثاني قرر أن يذهب لسباق الخيل ويعود في المساء ليحاول الكتابة من جديد. وبهذا يكون أمامه ثلاثة أيام ونصف فقط على تسليم الرواية. وبالفعل عاد والاس من السباق وبدأ كتابة الفصل الأول بعنوان الخائن، والذي سيكون في النهاية عنوان الرواية. انعدم إحساسه من هذه اللحظة بالزمن. إنه لا يعرف النهار من الليل. الستائر مسدلة والأنوار مولعة. والاس لا يرى ولا يسمع. لا يرد على زوجته أو على سكرتيره. يدخل عليه الخادم بهدوء كل نصف ساعة ويضع فنجان شاي. إنه يشرب في اليوم أربعين فنجاناً ويدخن ما يقارب المائة سيجارة. من كان يرى والاس وهو يكتب يقول إنه كاتب لا يضيع وقته أبداً ولا يعنيه من الحياة سوى الكتابة. استطاع والاس في هذه الأيام القليلة أن يكتب الرواية وأن يسلمها في الموعد المحدد. وحين عاد سكرتيره بالشيك وجده قد أخذ حماما وحلق ذقنه وارتدى ثيابه قائلاً له: هيا نسرع قبل أن يفوتنا السباق.