محمود خير الله: الشعر يَفِي بوعده دائمًا

55776291_10217113819951761_4956193325288783872_n

في منتصفِ التسعينيات، كان محمود خير الله يستقلُّ القطارَ يوميًا حتى يأتي إلى القاهرة. كان يستقلُّ القطارَ وهو لا يعرفُ ما الذي ينتظره: أيُّ الوجوه سوف يُحدِّقُ فيها، أيُّ الأكتاف سوف يصطدمُ بها. كان يستقلُّ القطارَ وهو مُستسلم تمامًا. مُستسلم للوقتِ الذي يمرُّ ببطء، وللنوافذِ التي تعبر سريعة. مُستسلم للذباب، وللسِّباب. مُستسلم للأذْرُعِ المبتورة، وللأرجلِ التي لا تعرفُ الطريق. مُستسلم للغبار، وللباعةِ الذين يرفعون أصواتهم ويلوحون بأيديهم كأنهم يُؤدُّون الرقصةَ الأخيرة. مُستسلمٌ للسعالِ الذي يستقرُّ على قميصه، ولدخانِ السجائرِ الرديئة. مُستسلمٌ لِلُّصوصِ ولمرضى الجُذَامِ ولأهالي المساجين. مُستسلمٌ للعاهراتِ وللعجائزِ وللفلَّاحاتِ ذواتِ الجلاليبِ السوداء، والملوّنةِ كذلك. مُستسلمٌ لِمُحصِّلِ الأجرة.. الوحيد الذي لم يروِ له حكايته. مُستسلمٌ للرجالِ الذين يتثائبون طيلةَ الوقت، وللرُّضَّعِ الذين يصرخون لأن لا أمَّ بإمكانها أن تمنحهم صدرها. مُستسلمٌ للجثثِ التي تلمعُ من بعيد، وللمقابرِ التي تخبره أن الموت نهاية أي شيء. مُستسلمٌ لنفسه.. نفسه التي لا تعرف أي جرم ارتكبته حتى ترى كل ذلك.

كان محمود خير الله يستقلُّ القطارَ وهو يعي تمامًا أن المصروف الذي أخذه من أمه لن يكفيه، وأن المسافة لن تُنسيه مرارة أنه ابن زنجي. ولولا أنه يريدُ من البدايةِأن يكونَ شاعرًا حقيقيًا، لأصبح واحدًا من الضحايا الذين يُخَلِّفُهُم القطارُ وراءه. ولا أقصدُ بالضحايا هنا، الموتى والمصابين، إنما العاديون والبسطاء، فكل مَنْ ركبَ القطارَ صارَ ضحيةً بشكلٍ أو بآخر.

يقول محمود خير الله إنه خلال الانتظار الممل في القطار، الذي قضى فيه قرابةَ الخمسمائة ساعة، تعلم كيف يقرأ البشر، وعرفَ أن هذا سوف يقربه أكثر من الشعر.

هكذا كان يتعايش، فلم يكنْ يستقلُّ القطارَ أبدًا لأجلِ أن يصلَ إلى المدينة، ولكن لأجلِ أن يصلَ إلى الشِّعر. ولم يكنْ الوصولُ سهلًا بالطبع. احتاجَ منه الأمر سنوات طويلة حتى يستطيع أن يكتبَ القصيدةَ التي يريد. وفي ديوانه الأحدث (الأيامُ حين تعبر خائفة)، الذي أعتبره ديوانه الأجمل، نجده يتعرَّى أخيراً، لكنه وهو يفعلُ ذلك، عَرَّى العالمَ معه. العالم الذي يشبه -عنده- القطارَ كثيرًا، فهو لا يريد سوى أن يمشي مُختالًا بين “الشجر”.

يعيشُ محمود خير الله الآن في مدينةٍ فاخرة، في بيتٍ هادئ، يطلُّ على حديقةٍ صغيرة. ولا يستقلُّ سوى سيارته الخاصة. يعيشُ ولا ينسى هذا “الكيان الضخم الذي يحملُ أحلامَ الفقراء”. لا ينسى صراخه وهو “يَعْبُرُ مُتجهمًا بين العِشَشِ والمساكن”. لا ينسى شاربَهُ الذي يحملُ عليه رجالًا أشداء. لا ينسى الآلامَ التي شربها فيه، والتي يسقي بها دومًا قصائِدَه. وربما هذا ما علَّمَهُ له القطار، ألا ينساهُ أبدًا، لأنه سوف يأتي يوم ويحملُ له النهرُ جثَّةَ عدوِّه، خصوصًا النهر الذي يعبره هذا القطار.

هنا أحاورُ محمود خير الله الذي لا يزال يجرى وراءَه الرجلُ العجوزُ الذي خطفَ منه برتقالتَه، والذي لم تُبْقِ له الحياةُ شُرْفَةً على حالها.

متابعة قراءة محمود خير الله: الشعر يَفِي بوعده دائمًا