الطوق والأسورة.. جُـرحٌ لـم يلتئـم بعـد  

BeautyPlus_20181218162444460_save_1.jpg

ربما هو الجنون، الذي يدفعني بعد كل هذا الموت للبحث عن يحيى الطاهر عبد الله. ربما هو الوهم، الذي يجعلني أذهب إلى قرية الكرنك لأرى إذا كان أبطالها عائشين أم لا. أما ما هو أكيد هو أنني حتماً سأصل لشيء.

لا أعرف متى كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها فيلم الطوق والأسورة، كنتُ صغيرة جداً، لكنني أعرف ذلك السحر الذي تركه بداخلي.

صوت شريهان وهي تغني: خَد شاله الحرير وطقيته الكشمير، لا يزال يتردد بداخلي، لدرجة وأنا أقرأ الرواية مؤخراً ظللت أبحث بين السطور عن صوتها.

لا أظن أن يحيى كان يتوقع أن واحدة مثل شريهان كانت ستقوم بدور فهيمة؛ البنت المسكينة/ الجميلة التي وجدت نفسها ضحية لجهل أم، وجبروت رجل.

لو كان يحيى يعلم لما جعلها تموت، أو تُذبح.

المشكلة أن يحيى لم يكن يعلم، المشكلة أنه نقل الحكاية كما هي، ولهذا غضب الناس منه.

يحيى كان بإمكانه أن يحوّل أي شيء إلى قصة؛ جلسة، مقابلة، مكالمة مع أحدهم، أو قعدة على المصطبة. يحيى جعل من نفسه قصة. جرب في نفسه أولاً، ثم بدأ ينهل من الجميع.

كان يقول: الكتابة بالنسبة لي متعة.. كما هو الأكل.

يحيى لم يفوت حكاية إلا ودوّنها. وهذا ليس لأنه يريد أن يكتب فقط، بل لأنه يريد أن يكون لهذه القرية حس. هذه القرية المنفية. هؤلاء الناس المنفيون. هو المنفي أيضاً.

في زمنه، لم تكن القرية تعي بما يفعله، ولم يكن هو يبالي.

لقد كان زمن القول، لا القراءة، زمن الناس الذين لا يملكون سوى آذانٍ، وربما لهذا كان يحيى يحفظ الحكاية قبل أن يكتبها، حتى يرويها وتسمعها تلك الآذان.

أما الآن، فالوضع تغير، صحيح أن الناس لا يزالون لا يقرأون، لكنهم باتوا يعرفون أن يحيى قال عنهم كل شيء.

هل هي الفضيحة فعلاً؟ لا أعتقد. هو الكشف. لا أكثر.

ورغم ذلك، ذهبتُ وأنا متفهمة تماماً، أن “الطوق والأسورة” جرحٌ لم يلتئم بعد.

BeautyPlus_20181221131434438_save

لن أقول إنني لم أجد الكرنك التي في كتابات يحيى الطاهر عبد الله، رغم أنني لم أجدها بالفعل، لكنني سأقول إن الكرنك لا تزال قرية مجهولة.

حين وصلت إل الأقصر، اتصلت على الفور بصديقي عادل تمساح، كي أخبره بما أنا آتية له، فهو الوحيد الذي بإمكانه أن يساعدني، ويدلني على الطريق.

عادل لم يستكمل تعليمه، لكنه مثقف جداً، ويُعجبني فيه هذا، والجميل أنه قارئ جيد ليحيى الطاهر عبد الله.

عادل أصلاً من ألهمني بهذه الفكرة، فقبل ثلاث سنوات كنتُ في زيارة طويلة للأقصر. ولم يكن في بالي حينها أن أذهب إلى قرية الكرنك. لمن سأذهب يعني؟ وقبل أن أمشي، سألني عادل: هل تحبين يحيى الطاهر عبد الله؟، فقلت له: طبعاً. فقال: من الممكن أن نذهب إلى بيته.. وذهبنا بالفعل. لكنني لم يكن أمامي وقت كي أفعل شيئاً، لأني طائرتي كانت ستقلع بعد ساعة، لذا رأيت البيت من الخارج ومشيت.

لم أسافر من حينها، لا أعرف لِمَ، لكنني لم أسافر. وحين حانت الفرصة، قلت يجب أن أكتب عن يحيى الطاهر عبد الله.

قرأت رواية الطوق والأسورة عدة مرات، وتفرجت على الفيلم أيضاً عدة مرات. وأدركت كم أن العادات والتقاليد أغنت هذه القرية. أغنتها ودمرتها في آن. كما أدركت كم كان يحيى عبقرياً، لأنه استطاع أن ينقل حكايات الناس هُناك بهذه البساطة والحساسية. لهذا أحببت أن أقرأ باقية أعماله، التي أضاءت لي أشياء كثيرة. يكفي أنها جعلتني أعرف إلى أين أنا ذاهبة بالضبط.

القرية قريبة جداً من معبد الكرنك. قبل أن أذهب إليها، زرتُ المعبد، الذي تدور فيه بعض من أحداث الرواية، إذ تناول يحيى عادة ذهاب النساء إليه – حيث البحيرة المقدسة – كي يحملن.

لم يعد هذا الكلام موجوداً بالطبع.

يربط معبد الأقصر بمعبد الكرنك طريق طويل اسمه طريق الكباش. كان عليّ أن أمشي بمحاذاته كي أصل إلى قرية الكرنك.

كان يحيى يقول في روايته إن الناس هُناك يعتقدون أن هذه الكباش “كانت بشراً في الزمن القديم، وغضبة الله هي التي حولت بشر الزمن القديم إلى حجر، عقاباً لهم على كفرهم، نعم.. كيف يتزوج الأخ من أخته؟ والابن من أمه؟ وها هم البشر العصاة يرقدون في صفين متقابلين، لهم رؤوس كباش وأجساد أسود”.

التقيت بعادل حسب اتفاقنا في نهاية هذا الطريق، وقررنا أن نبدأ جولتنا من حيث ستأخذنا أقدامنا.

كان أول شيء مررنا عليه في القرية، هو الأرض التي أقيمت عليها الطاحونة قديماً، ففي فيلم الطوق والأسورة كانت الطاحونة محوراً رئيسياً يدور حوله الأحداث، أما الرواية فقد خلت تماماً من الكلام عن أى طاحونة، لكن في مجموعة (ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالاً) نجد حكاية هذه الطاحونة بعنوان (طاحونة الشيخ موسى)، والشيخ موسى كما سنعرف، هو الشيخ الذي يقدسه أهالي الكرنك، والذي بسببه غضب الناس من يحيى.

في القصة، يحكي يحيى عن خواجة اسمه يسيّ التاجر والمتصرف الوحيد في تموين القرية والذي وَرَثَ ابنه نظير أفكاره ودكانه، فيسيّ كانت له مقولة يرددها دائماً وهي (فكر تكسب وفتح عينك تغرق في بحور الدهب)، والتي عمل بها ابنه، فكانت فكرة الطاحونة التي ستوفر على النسوة مشوار الذهاب يومياً إلى البندر.

ولأن عقل القرية حينها كان صغيراً، هاج هياجها، كما يقول ليحيى، فالناس يعتقدون أن الطاحونة لكي تدور لابد أن يرموا بداخلها “عيل”، وأن صوتها “توت توت” هو صوت صراخ العيال وليس الحديد، وهو ما وضع الخواجة نظير في مواجهة صعبة معهم، فكلماته كانت “تصطدم بالحائط الأخرس ويتردد صداها رجفة بقلوب أباء يعبدون الأبناء وأمهات يفضلن تعب المشوار وشقاء العمر ولا المصيبة في الولد”.

لم يكن أمام الخواجة نظير سوى العمدة، ليأخذ منه الحماية، لكن العمدة هو الآخر كان لديه نفس الاعتقاد، وتعامل معه على أساس أنه نذير شؤم، وفشل الخواجة في إقناعهم جميعاً، حتى حين أراد أن يجاريهم فيما يعتقدوه، فشل أيضاً، إذ صرخ فيهم قائلاً إن المكنة قديمة، “ومايلزمهاش عيل”، ليجد أحدهم يرد: “لازم عطلت وعايزة عيل تاني.. ماحناش هبل يا خواجة”، وآخر: “الشيخ موسى بيقول احرصوا على أولادكم من طاحونة الخواجة”.

الشيخ موسى! كيف غابت عنه هذه الفكرة، إنه إله القرية، ولا يسمع الناس إلا كلامه، فأخذ يردد: “رضينا بالشيخ يا جماعة.. أنا وانتوا والعمدة نروح له.. يا ناس دا كله بركة.. قدمه تدخل الطاحونة ونعمة ربنا تحل فيها وتشتغل.. المكنة مايلزمهاش عيل لو دخلها الشيخ.. مدد يا كبير.. كراماتك يا شيخ موسى”.

وحين ذهبوا للشيخ موسى، وافق على مضض، إذ كان يخشى من أن تتحطم أسطورته، ويفقد الناس الثقة في كراماته. يصف يحيى المشهد قائلاً: “الصيحات تستعطفه في إرغام.. وساقاه مدفوعتان إلى المصير في زحف أسود مقيت كريه، ولا فكاك من النهاية ولا سبيل إلى الخلف: الجبل البشرى خلفه، والبحر الأسطوري أمامه”.

وبالفعل، دارت الطاحونة، من دون أن يرموا بداخلها “عيل”، وعلت صيحات الرجال، وزغاريد النساء، وقام الخواجة نظير بتعليق لافتة كبيرة مكتوب عليها (طاحونة الشيخ موسى، لصاحبها الخواجة نظير وابنه مفيد).

كل هذا جسده الفيلم ببراعة، عدا بعض التفاصيل، التي كان من بينها، والتي أدهشتني بصراحة، بطل الحكاية، الخواجة نظير نفسه، إذ قام القائمون على كتابة السيناريو والحوار، وهم عبد الرحمن الأبنودي ويحيى عزمى وخيرى بشارة، بتغييره، جاعلين من منصور الصادق ابن عم يحيى، والذي قام بدوره أحمد بدير، صاحب الطاحونة.

حاولنا أنا وعادل ونحن واقفان في الأرض التي أقيمت عليها الطاحونة، والتي هي الآن عبارة عن أرض خلاء، أن نخمن سبب قيامهم بذلك، لكننا لم نصل لشيء. كل ما كان بيد عادل أن يفعله هو أن يجعلني أجلس مع ابن منصور الصادق.

اندهش الرجل أن هناك من يسأل عن أبيه بعد كل هذه السنوات، قائلاً لعادل في الموبايل: “أدي اللي جالنا من وراء يحيى الطاهر عبد الله”.

ظننتُ أنه لن يتحدث معي، لكنه جاء والابتسامة على وجهه، والحرج أيضاً. اسمه ياسر. في عقده الرابع تقريباً. له ذقن خفيفة وعينان مرتبكتان.

بدأ كلامه قائلاً: “أبوي لحد ما مات كان زعلان من يحيى”.

“لكن يحيى في القصة لم يقل أن منصور الصادق صاحب الطاحونة إنما الخواجة نظير”. قلت. لكنه لم يصدقني، فأخرجت له الأعمال الكاملة ليحيى، والتي كنتُ أحملها معي في حقيبتي. فتحت الكتاب على القصة، ورحت أقرأ له مقاطع منها.

صمت قليلاً، وقال: “ما الفائدة إذن، الفيلم صوّر أبوي على أنه رجل عربيد ولا يهمه سوى جمع المال، والحقيقة عكس ذلك، فمنصور الصادق كان رجلاً تقياً، ومقيم شعائر في المسجد، لذا كان من الطبيعي جدا أن يحزن، ويكون رد فعله عنيفاً، إذ رفع قضية على خيرى بشارة، بتهمة الإساءة لرموز العائلة، لكن القضية للأسف تم حفظها”.

لم يكن عنده أكثر من ذلك ليقوله، اعتذر فجأة، وتركنا أنا وعادل واقفين في الأرض.

سألته عما سنفعله بعد ذلك، فسألني هل أريد أن أذهب أولاً إلى بيت يحيى، أم أن أتحدث مع الناس، فاخترت الخيار الثاني، فقال إن هناك رجل اسمه الحاج جمال أبو المجد، علينا أن نبدأ بالكلام معه فهو يملك أوراقاً بخط يد يحيى.

ونحنُ في الطريق إلى الحاج جمال أخبرني عادل أنه يشعر بالحرج لأن هناك خلافات عمرها أكثر من عام ونصف بين عائلته وعائلة أبو المجد، وأنه على إثر هذه الخلافات حذف رقم موبايله، ولم يراه من حينها، ما يعني أننا ذاهبان بلا موعد، وهذا في الأعراف لا يصح.

حين وصلنا، لمحنا زوجة الحاج جمال في شرفة الطابق الأول، تنشر الغسيل. نده عليها عادل، وسألها عنه، فأخبرته بأنه قد يكون نائماً، فقال لها عادل: “خلاص”، فقالت له: “صبرك يا بوى.. هشفهولك”. دخلت المرأة. وخلال الدقائق التي غابت فيها عنّا، قال لي عادل إنها ابنة أخت يحيى، وإنني من الممكن أن أتحدث معها.

خرج لنا الحاج جمال، ملوحاً بيده اليُسرى، فأخبره عادل بما نحنُ آتين له، فأشار لنا بالدخول. وبعد ثوان كان ابنه يفتح باب البيت. الباب يؤدى مباشرة إلى المندرة، أو أن المدخل -كوني لم أدقق- عبارة عن مندرة.

كان الحاج جمال للأمانة مُرحباً، لكنه كان يتحرك ببطء، ويتحدث ببطء، ويحرك يده اليُمنى أيضاً ببطء، وعرفتُ من عادل أن “الفوتة” -يقصد الجلطة- هي من فعلت به ذلك.

سألنا: “هل تريدون شيئاً غير الشاي؟”. ابتسمت. وقال عادل: “خيرك سابق يا أستاذ جمال”، فقال له: “فينك يا راجل.. من زمان ماشوفتكش”، نظر لي عادل وهو يقول: “الدنيا مشاغل انت عارف”.

بعد هذا الحوار، الذي أعرف ما ورائه، وجدتُ الحاج جمال يحدق فيّ، ففهمت أن عليّ أن أتكلم. أخبرته أنني أريد أن أتحدث مع زوجته لأعرف منها الذكريات التي تربطها بيحيى الطاهر عبد الله، فوجدته يخفض رأسه مُعتذراً لأن ظروفها الصحية لن تسمح.

طبعاً كانت هذه حجة، وبررت في سري قائلة: إما لأنه يريد أن يتكلم، أو لأن عادل موجود.

وحتى لا أحرجه، انتهزت المعلومة التي قالها لي عادل بأنه يملك أوراقاً تخص يحيى، فسألته عنها، فأخبرني أن عنده قصة بخط يد يحيى فعلاً، لكنها تائهة وسط أوراقه وكتبه، وراح يقول إنه مُغرم بجمع الوثائق والأوراق القديمة، ووعدني أنه سيبحث عنها، لكن خلال الأيام الثلاثة التي قضيتها في الأقصر، لم يكن قد تمكن من إيجادها.

-طيب، هل رأيت يحيى؟ هل لك ذكرى معه؟

-ايوا، “لكنني كنتُ صغيراً حينها، وكانت أول معرفتي الحقيقية به حين كنتُ أدرس بكلية الآداب جامعة أسيوط، إذ آتاني زميل وقال لي إن هناك كاتب مهم من قريتك، اسمه يحيى، فأخبرته بأنني أعرفه، وشعرت بالحرج لأنني لم أكن قد قرأت له بعد، ولأنني لا أعرفه عن قرب، فرغم أنه من عائلة ثانية، إلا أننا نعتبر أنفسنا هنا جميعاً أهلاً”.

“تتميز عائلة يحيى، المعروفة بعائلة عبد الله، بالحدة، والفصاحة، فهناك حكاية مشهورة يتم تداولها بين الناس، أن حسن عبد الله، عم يحيى، استطاع أن يتعامل مع الملك فاروق بحنكة، إذ كان الملك في زيارة للأقصر، وفي جولة له بأحد المعابد احتك به غفير، واشتبك به.

لم يكن الغفير يعرف أن هذا الرجل الذي يرتدي شورتاً هو الملك، لأنه لم يكن هناك وقتها تلفزيون.

كان حسن يراقب الموقف من بعيد، ومن المواصفات التي سمعها، عرف أنه الملك، فذهب له سريعاً، ليلم الدنيا، قائلاً: اتفضل يا باشا.. اللي مايعرفك يجهلك”.

يضحك الحاج جمال، ويضحك عادل أيضاً.

“أما والد يحيى فلم يكن معروفاً باسم الطاهر، إنما الكامل، وكان الكل يخشاه، ويعمل له حساباً، إذ كان شيخاً أزهرياً، وناظراً، فهو صاحب أول مدرسة في الكرنك، حيث قام بتحويل غرف الطابق الأول من بيته إلى فصول، ليُعلم أطفال القرية، لذا كان طبيعياً أن يكون حاداً وصارماً، وهذا ما جعله يصطدم بيحيى كثيراً، لأن يحيى كان ثائراً على كل شيء، على العادات والتقاليد، وعلى الأوضاع التي يمر بها البلد”.

لقد عاصرت والدة الحاج جمال يحيى، وكانت تقول عنه دائماً إنه كان أيضاً حاداً، وقاسياً في رده إذا أغضبه أحد.

“هذا يعني أن لو يحيى عاش لبعد عرض فيلم الطوق والأسورة كان سيسكت ألسنة القرية؟” أسأل الحاج جمال. ليجيب: “ربما، الناس حتى الآن لم ينسوا أن يحيى كشف سرهم، فلقد نقل حياتهم كما هي”. مضيفاً: ” كانت لديّ مثلاً خالة تحب يحيى، لكنها حين رأت الفيلم، صدمت، وحزنت منه كثيراً، والحزن هنا يدوم.. فمنذ شهر أقام أخوات يحيى ندوة له، انزعج كثيرون وقالوا كيف تقيمون ندوة لشخص فضح قريتنا”.

الأكثر من ذلك -يواصل الحاج جمال- أن الناس لا يزالون يعتقدون أن موت يحيى المُبكر بسبب تناوله لسيرة الناس، خاصة سيرة الشيخ موسى، الذي ظهر في الفيلم باسم الشيخ هارون، إذ “يرون إنه تطاول على ولي، ولأن أولياء الله لا خوف عليهم، فقد عاقب الله يحيى بالحادث الذي أودى بحياته”.

ربما هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها أنه قد تكون من إحدى كرامات الولي أن يتسبب في موت أحدهم. وكان هذا صادما لي، لأنني لم أكن أتخيل أن تفكير الناس في الكرنك وصل إلى هذا الحد. كما أن يحيى في قصصه كان يتناول الشيخ موسى كما هو في حقيقته، ولم يكن هناك أي تطاول عليه، فقط كان هناك كشف وتعرية للجهل الذي يحيط به.

شكرت الحاج جمال على استضافته، وطلبتُ من عادل أن يأخذني إلى ضريح الشيخ موسى.

لم أكن أعرف أن للشيخ موسى شارع باسمه، وهو الشارع الذي يقع فيه ضريحه، والشارع الذي يقع فيه بيت يحيى الطاهر عبد الله أيضاً، ويعتبر من الشوارع الرئيسية في الكرنك.

كان الشارع هادئاً رغم أن غالبية الناس يجلسون على المصاطب وأمام محالهم. أخبرني عادل أن الأجيال الجديدة لا تعرف يحيى، وراح يقوم بدور المحقق ويسأل كل شاب يمر علينا، ويردد: “شوفتي المأساة”. إلى أن وقفنا أمام صالون حلاقة، اسمه صالون الزعيم، إذ كان يتجمع أمامه عدد من الرجال. سألهم عادل عن يحيى. صمتوا جميعاً. فأردف: “يحيى بتاع الطوق والأسورة”. فرد أحدهم: “أه أه.. مش دا اللي فضحنا”.

لم ندخل في جدال مع الرجل الذي تكلم، وتركناهم متجهين إلى الضريح.

إن لم أكن مخطئة، الضريح يتوسط الشارع، ويعد العلامة المميزة الوحيدة فيه، فهو عبارة عن بيت، وله بابان؛ الأول يؤدى إلى المدخل، والثاني يؤدى إلى المقام مباشرة. كما أن له واجهة مصنوعة من الرخام، مكتوب فيها اسم الشيخ، أنه العارف بالله موسى أبو على، وتاريخ وفاته ( 22 رمضان سنة 1408هـ، 8 مايو سنة 1988)، أي أنه مات بعد يحيى بست سنوات، وهو ما أدهشني لأن يحيى كتب في روايته الطوق والأسورة – والتي نُشرت عام 1975 – عن موته، إذ قال:

“في إحدى ليالي الذكر، تجمع الرجال كعادتهم منتظرين خروج الشيخ لكنه لم يخرج، ومر الليل بطيئاً ثقيلاً، حتى ارتفع القول وتضارب:

“نكسر الباب”.. “من يجرؤ كشف الستر عقابه شديد”.. “سمعته بالأمس ينادي الله حبيبه: خذني، نادى الله ثلاث مرات بصوت مرتفع”.. “في الأيام الأخيرة كان دائم الحديث عن الرحيل وعن الموت مفرق الأحبة والجماعات”.

ولما تأكد أحبابه من موته، بكوه، “كما بكته السماء قبل رحيله بيوم”.

ورصد يحيى ما اعتقده الناس أثناء تشييعه بعبارات مثل: “الخشبة طارت طيراناً”.. “ونحن ما حملنا الخشبة، هي التي سبحت في الجو كغمامة مسرعة”.

في الواجهة أيضاً كانت مكتوبتين هاتان الآيتان: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) و (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عنه مليك مقتدر).

IMG_6145

أما الضريح من الداخل، فبدا عليه الأناقة، واعتناء الناس به، إذ يشعلون فيه طيلة الوقت البخور، والشموع كذلك. ورغم أنني لم أر فيه أحداً، عكس مثلاً ضريح أبو الحجاج الأقصري الذي يقع بجوار معبد الأقصر، أو فيه، على الأدق، والذي حين دخلتهُ وجدتهُ مُزدحماً، إلا أن عادل أكد لي أن أرجل الناس لا تنقطع عن ضريح الشيخ موسى، وأنهم يقيمون له الليالي، مضيفاً: “خدي بالك انتِ بتقارني بين قطب وشيخ هَبيل”.

-هَبيل ازاى يعني؟

-الشيخ موسى ماكنش شخص عادى زينا، نقدر نقول عليه كان مهبول، أو معتوه، لكنه كان راجل بركة.

على الجدران الخارجية للمقام، كان هناك بانر متوسط الحجم مكتوب فيه نبذة عن الشيخ موسى أنه “ولد عام 1908 في قرية الزينية بحري”، وهي إحدى القرى التابعة لمركز الزينية في محافظة الأقصر، وأنه “نشأ في بيئة فقيرة، وكان زاهداً في حياته، وكان يجتمع بمريديه ويسير لذكر الله في البلاد” وأنه “في عام 1950 استقر بالكرنك بحجرته الموجودة بجوار مقامه المدفون فيه، وفي عام 1970 اعتكف بساحته الحالية، وكان محبيه ومريديه يترددون عليه ليدعو لهم”.

الساحة المقصودة هذه تقع أمام المقام مباشرة. كانت مُغلقة، لكنني استطعت رؤيتها من الكوة التي في بابها. هي عبارة عن حجرة متواضعة جداً -كان يسكن فيها الشيخ موسى- مفروشة بالحصائر، وبها سرير مصنوع من الأقفاص الخشبية، كما بها حفرة عميقة، مضاءة بلمبة خضراء، وهي الحفرة التي حفرها الشيخ لنفسه كي يُدفن فيها.

هذه الحجرة، تحدث عنها يحيى في (الطوق والأسورة)، وذلك في الجزء الذي كانت تتجادل فيه حزينة التي قامت بدورها في الفيلم فردوس عبد الحميد مع زوجها بخيت البشارى الذي قام بدوره عزت العلايلي، حول إذا كان يوسف سليم جامع نذور الشيخ موسى رجلاً طيباً من عدمه، إذ لام بخيت نفسه قائلاً: “يوسف سليم رجل طيب. كان يعمل بالتجارة، وكانت دكانته حجرة من حجرات بيته، تطل على الشارع.. ولما اختار الشيخ تلك الحجرة لتكون خلوته التي يعبد فيها الواحد الأحد كف يوسف سليم عن الجزارة وأصبح نقيب الشيخ في جمع النذور”.

وحكى يحيى بأسلوبه السلس أسطورة الشيخ مع الحجرة، إذ قال على لسان بخيت البشارى أيضاً:

“والشيخ يغلق باب حجرته عليه بالنهار، ويظن الجاهل أنه بداخلها بينما الرجل الصالح يجوس هناك بمكة المكرمة حيث قبر الرسول”.

الطريف أن يحيى لم يستثن عائلته من هذه الاعتقادات وراح يحكي عن عمه الحاج حسن عبد الله الذي أخبرهم في يوم بأنه قد لمح – وهو يحج – الشيخ موسى مُندساً بين الناس، وحين ناداه “اختفى الشيخ بقدرة قادر”.. “نعم الشيخ لا يحب العلانية في العبادة. فلم يشاهده مخلوق يدخل الجامع ليصلى، لكن الشيخ يصلى، ويصلى الجمعة بالذات في المسجد النبوي، ومن يقول غير ذلك جاهل بمقام الأولياء”. يواصل يحيى على لسان بخيت البشاري.

اقترب عادل حين وجدني واقفة أقرأ ما هو مكتوب عن الشيخ، وراح يستكمل لي حكايته أنه جاء هارباً من قريته، إذ كان يجرى ورائه الناس، ويستهزئون به، “وبعد وفاته، أتى عدد من (الزينية بحري) كي يأخذون جثمانه، لكن أهل الكرنك رفضوا بشدة، وأصروا على أن يدفنوه في القرية ويبنوا له مقاماً”.

كان هناك ولد، في منتصف عقده الثاني تقريباً، يراقبنا من بعيد. تقدم إليّ وسألني: “هل أنت هنا لأجل الشيخ؟”. ترددت قليلاً قبل أن أقول له “أيوا”. فأخبرني أنه حفيده، وأن اسمه حازم. رحبت به، وطلبت منه أن يحكي لي عنه، خصوصاً عن كراماته، فقال: “يوه.. كتير”. أشهرها أن “ماء النيل وصل إلى حجرته عبر الحفرة الموجودة فيها بعد أن مات عم محمود؛ الساقي الخاص به”.

-وإيه كمان؟

-كان هناك لواء طيار، من المشاركين في حرب 73، يزور الأقصر، وحين مر من هنا مصادفة، رأى الشيخ، فوقف أمامه، وظل يقسم أن هذا الرجل -يقصد الشيخ موسى- كان معهم في الحرب!

ندهني عادل، وسألنى عما قاله لي الولد، فحكيت له، لأجده يقول: “صحيح.. هذه الحكايات يتداولها الناس، ولا أعرف مدى صحتها”، مضيفاً: “لكن الولد ليس حفيده كما يقول. الشيخ موسى لم يتزوج، هو فقط ابن أحد خدامه. والخدام هنا يعتبرون أنفسهم أبناء الشيخ”.

-طيب.. عايزة أتكلم مع واحد منهم

-يبقى بينا على الشيخ أبو العقارب

ذهبنا إلى قهوة تجاور الضريح. كان الجالسون فيها يتابعون أحد الماتشات. وكان الشيخ أبو العقارب جالساَ في إحدى الزوايا، يُدخن الجوزة. من العيب أن نقول هناك شيشة. لوح له عادل ليخرج لنا.

كان نحيفاً للغاية، وقصيراً، ويرتدى بالطبع جلباباً. لم ألتق هناك برجل يرتدي قميصاً وبنطلوناً، حتى عادل كان يرتدي في غالبية جولتنا جلباباً. مرة واحدة فقط التي رأيته فيه يرتدي زياً مغايراً.

بدأ أبو العقارب كلامه معي مازحاً: “ماتخفيش عقارب من غير سنان”.

BeautyPlus_20181221142343368_save.jpg

اسمه الحقيقى الحاج محمد، وقد عاصر كل من الشيخ موسى ويحيى الطاهر عبد الله. لكنه يعرف عن الشيخ أكثر مما يعرف عن يحيى. قال مُحتجاً، رغم أنني لم أسأله عن ذلك، إن عائلة عبد الله تُريد تغيير اسم الشارع من شارع الشيخ موسى لشارع يحيى الطاهر عبد الله، “إزاى يعني.. إيش جاب لجاب”.

لم أتفاجأ من جملته هذه، لكنني لم أكن أعرف -في آن- كيف أقنعه أن يحيى قامة أدبية كبيرة، وأن من حقه أن يكون له شارع باسمه.

سألته عما إذا كان يعتقد أن الشيخ موسى وراء موت يحيى، فأخبرني أنه ليس متأكداً أصلاً إن كان يحيى يقصد بالشيخ هارون في الفيلم الشيخ موسى، “وحتى لو كان يقصد، فالشيخ موسى لم يكن يشغله ذلك”.

لم أقل له أن يحيى كان يتحدث عن الشيخ موسى باسمه في كتاباته حتى لا أصدمه، وسألته لأتأكد أكثر:

-يعني مازعلش منه؟

-هو دا كان بيزعل من حد.. إحنا البشر التعبان اللي بنزعل.. دول أهل السماحة واخدين من جدهم النبي

وراح يتحدث عن كراماته، ذاكراً حكاية اللواء الطيار، وحكاية العصا التي كان يتكأ عليها، والتي اختفت بعد وفاته، والكاميرات التي كانت تحترق كلما أراد الاستديو أن يصوره. لأجد الرجال الذين تجمعوا من حولنا يرددون: “مدد”. وهو ماشجع أبو العقارب ليحكي أكثر: “من كراماته أيضاً، أنه كان يستطيع أن ينجو بنفسه، ففي يوم أمرت السلطانة عمة الملك فاروف، لسبب لا أذكره، بحبسه، وبالفعل جاءوا به، ووضعوه في غرفة، وأغلقوا عليه الباب بالمفتاح، ليجدوه في اليوم التالي غير موجود، كان قد فرش منديله، ووقف عليه، ليعبر النهر من الشرق للغرب”.

كان من الممكن أن أعتبر ما يقوله حكاية تخصه، لكنني تذكرت على الفور فهيمة بنت حزينة وبخيت البشارى، التي قامت شريهان بدورها، وهي تقول: “الشيخ موسى كله خير وبركة.. وهو في سني خلع ثوبه ورماه في الماء فطفا الثوب، وقعد عليه الشيخ، وعبر النهر من الشرق للغرب، وعاد للشرق، ولبس ثوبه الذي لم يبتل”.

لم يكن في الرواية أية سخرية من كرامات الشيخ، أما في الفيلم فكان هناك، إذ رد بخيت البشاري العاجز عن الحركة على ابنته قائلاً: “طيب ياختى يلا انقليني أصلى اتبليت في قعدتي من غير ما عدى لا بر ولا بحر”، وربما لهذا اعتقد أهالي الكرنك أن يحيى الطاهر عبد الله تطاول على الشيخ موسى، لأنهم لم يقرأوا الرواية، ولم يضعوا في اعتبارهم أن سيناريو الفيلم من كتابة آخرين.

رأيت هذا كافياً، فوقفت لأسلم على أبو العقارب والرجال من حوله، وذهبتُ لعادل الذي كان يجلس بعيداً.

-صدعك مش كدا؟

-لا أبداً

اقترح عليّ أن يأخذني إلى أحد الذين كان يجلس يحيى عندهم

، فوافقت. مشينا إلى آخر الشارع، أو إلى بدايته، لا أعرف بالضبط، المهم أننا مشينا، مُعطين ظهرينا للضريح.

كان الشارع لا يزال هادئاً، بل كان يزيد هدوؤه كلما توغلنا فيه.

الرجل الذي يقصده كان واقفاً بالصدفة أمام باب بيته. اسمه الحاج صالح خليل، ويبلغ من العمر ثمانين عاماً. لوحنا له، فقال: يا مرحب.

جلسنا على مصطبة بيته. بيته من البيوت التي حافظت على نفسها وبقيت كما هي بشبابيكها الواطئة، وواجهتها الطينية الملوّنة، وأبوابها الخشبية العتيقة.

“لكم أفتقد يحيى” قال الرجل. وراح يشحذ من ذاكرته موقفاً بعينه، لكنه لم يستطع. مضيفاً: “كان يجلس معي كثيراً في المندرة، وكان يأتي بأمل دنقل والأبنودى، وكانوا يكتبون عندى القصائد، ويتحدثون في السياسة. أذكر أنهم كانوا رافضين بشدة لمعاهدة كامب ديفيد، وكنت أدعم موقفهم هذا”.

رغم بساطته، إلا أنه قارئ جيد ليحيى، ووجدتهُ يقول عنه بعفوية: “كان شاعراً عظيماً”. ابتسمتُ وأخبرتهُ أنهم يلقبون يحيى بشاعر القصة القصيرة، فابتسم.

“كان يحيى مشهوراً جداً عندما كانت الكرنك قرية صغيرة، كان واد عم الكُل، الآن الناس لا يعرفونه، ومن يقولون عنه كلاماً سيئاً أو يدعون أنه فضحنا لم يقرأوه، يحيى كان يريد أن يوثق حكايات القرية، ويؤرخ لشخصياتها، بما فيهم الشيخ موسى”..

“لازلتُ أذكر أيضاً الشيخ موسى، كان بطلاً عظيماً، ولم يكن يفعل شيئاً، غير أنه يصلي ويشرب الجوزة”.

كنتُ أعرف أن الشيخ موسى مواظباً أيضاً على شرب الجوزة، وذلك من الفيلم والرواية معاً، إذ كان الناس يذهبون إليه بـ (باكو دخان أبو نجمة) حتى يوافق على الدعاء لهم، لكنني أحببتُ أن أشاكس الرجل، وأسأله كيف لشيخ أن يدخن، لكنه صمت ولم يعرف بم يجيب عليّ، وهنا تدخل عادل قائلاً: “هناك اعتقاد ما أن الولي قد يصل به الأمر ويطير، وحتى يكون مثل بقية البشر، ثابتاً على الأرض، يقترف بعضاً من الذنوب”.

ذهبنا إلى رجل آخر من مُحبي يحيى، يسكن بجوار الحاج صالح. بيته أيضاً طيني. كنتُ أفرح كلما وجدتُ بيتاً هكذا، لأنه يعني أن القرية لا يزال بها شيء من القِدم.

خرج لنا الرجل من شباك الطابق الثاني، وحين أخبره عادل أنني من أخبار الأدب، رد قائلاً: يا راجل.. أنا نازل حالاً.

اسمه عنتر محمد، ويعد واحداً من مثقفي الكرنك، فكما يقولون له مكتبة كبيرة، ويقضى معظم وقته في القراءة. خرج لنا وفي يده عدد قديم جداً من مجلة خطوة. أخذ يقلبه أمامي، قائلاً: هنا كل شيء عن يحيى.

BeautyPlus_20181221143146229_save

طلبت منه أن آخذ المجلة لكنه رفض بشدة مردداً: إلا كتبي.

-طيب هصورها

-كلكم بتقولوا كدا، وبتاخدوها في الآخر

كما رفض أن يُريني مكتبته، لأنها ليست مُرتبة. وحين قلتُ له إن هذا لا يعنيني. احتد عليّ.

كان هناك أحد الجيران واقفاً يتفرج علينا، اسمه عبد الله أو أحمد عقيل كما يقول، اقترح علينا أن نجلس عنده. فوافقنا جميعاً. وحين هدأ الحاج عنتر، بدأ يقول بصوت متقطع: “يحيى كان لاجئ عندي في الديوان هو وأمل والأبنودي.. يحيى كان اجتماعياً، وكان أغلب كلامه يدور حول الناس والحياة والكرنك.. لقد كتب عن أشخاص لايزالون عائشين حتى الآن”.

هنا تدخل عبد الله وقال: “حين قرأت روايته شعرت أنني أحيا في الكرنك القديمة، لكنه ذكر أشياء لا تصح في عُرفنا، خصوصاً فيما يخص الشيخ موسى، فهو لم يكن مُقتنعاً به، وأتى بأناس مثقفين في الفيلم مثل محمد منير ليستهزئوا به”.

“لا يا بوى.. يحيى كان بيقول على الشيخ موسى قطب الكرنك”. يرد الحاج عنتر. فقلتُ: “صحيح. لقد قرأت هذا الوصف، قال بالتحديد قطب القرية وحاميها.. كما أن يحيى لم يكن عائشاً وقت الفيلم”. ليضيف الحاج عنتر: “يحيى لم يكن يتوقع أن تتحوّل الرواية إلى فيلم. لذا كان يكتب براحته. يكتب ما يريده، وما يخطر على باله”.

إثارة هذه النقطة أدخلتني في حيرة شديدة؛ هل كان يحيى ينقل حكايات القرية بغرض الكتابة فقط، أم بغرض كشف العادات والتقاليد التي كان ساخطاً عليها؟ هل أحب أن يورط أهله ويفضحهم فعلاً كما يقولون، أم أنه لم يستطع أن ينجو من فخ الكتابة الواقعية؟ أذكر أنه كان يحكي دون مواربة في إحدى قصصه عن أخته التي دخل عليها فجأة ووجدها راقدة فوق ظهر الجاموسة حيث كانت “نائمة بصدرها مُحتضنة عنق الجاموسة بكلتا ذراعيها.. كما كانت تمرجح ساقيها وتحك فخذيها ببطن الجاموسة”، فصرخ مُعلنا عن وجوده، ومن الخضة دلقت أخته ماجور اللبن المملوء، وحين ذهب لأبيه الكامل ليحكي له عن الوضع الذي وجد عليه أخته، ثار عليهما، فضرب يحيى على صدغه بقوة حتى وقع على الأرض، أما أخته فراح يجرجرها من ضفيرتها، ويضربها.

يصف يحيى المشهد قائلاً: “كان أبي يصعد ويهبط بكل جسمه كثور مذبوح.. كان يرفع يده ويهوى بعصاة لينة رفيعة ويضرب الجسم العاري”.. “وكانت أمي تصرخ، وكان صوتها باكياً، وكانت تخاطب أبي: جوّزها يا كامل.. كفاية يا كامل وتتجوز”.

عائلته إذن لم تنج منه، فقد تناول حكاياتها كما تناول حكايات أهالي القرية. المشكلة في رأيي أن يحيى لم يُغير في الأسماء، وهو ما يجعل عائلة مثل عائلة بخيت البشارى تشعر بالعار حتى الآن، فلقد صار معروفاً للجميع أن زوج ابنته فهيمة (الحداد) كان يعاني من العجز الجنسي، وأن فهيمة ذهبت إلى المعبد كي تحمل، وحين حملت بالفعل، وأنجبت، لم يعترف الزوج بابنتها، ابنتها التي أقامت علاقة غير شرعية مع أحد أبناء القرية، وكانت نهايتها مأسوية، إذ قام ابن عمتها (ابن الحدادة) الذي كان يحبها بذبحها”.

حين طلبتُ من عادل أن نتحدث مع أحد أفراد عائلة البشاري، رفض، وقال إنه لا يجرؤ على فعل ذلك، فمن الممكن أن تحصل مشكلة كبيرة. تفهمت الموقف، وتراجعت عما أفكر فيه، وسألته عن أحوال العائلة، فقال إنهم يكادون يكونون عائلة صغيرة، ومهجروة، “ولا أعرف كيف وصل إليهم يحيى الطاهر عبد الله؟ ولماذا هذه الحكاية بالذات التي بنى عليها الطوق والأسورة؟ كما لا أعرف أيضاً من أين أتى بعادة أن النساء يذهبن إلى المعبد كي يحملن”.

لكن حين جلسنا مع الحاج عبد الستار حسن، أحد كبار القرية، وابن عم يحيى، أكد على أن عادة الذهاب للمعبد كانت موجودة قديماً في القرية، كما كانت منتشرة أيضاً حوادث دفن البنات اللاتي يدخلن في علاقات غير شرعية، ومن ثم ذبحهن، قائلاً إن غالبية ما كتبه يحيى كان حقيقياً، مُستدعياً قصة (جبل الشاي الأخضر)، الذي يحكي فيها يحيى عن عائلته المشهورة بشُرب الشاي الأخضر.

“لا يوجد بيت في عائلة عبد الله حتى الآن يخلو من الشاي الأخضر” يقول الحاج عبد الستار الذي بدا على وجهه الانحياز التام ليحيى. كما استدعى قصة (حكاية عبد الحليم أفندى وما جرى له مع المرأة الخرقاء)، التي نُشرت في مجموعة (حكايات الأمير حتى ينام)، إذ قال إنها قصة حقيقية تماماً، فكان هناك فعلاً رجل اسمه عبد الحليم، وكان يتعامل مع الإنجليز، لكنه لم يكن يجيد القراءة والكتابة، ولأنه أفندي، ومقامه عال بالبلد، ظنت المرأة الخرقاء التي تحمل رسالة من ابنها الذي في الغربة، أنه يجيد فعل كل شيء، وحين طلبت منه أن يقرأ الرسالة عجز عبد الحليم وأحس بالعار فلم يكن يحسب حساب يوم مثل هذا.

وراح عبد الستار يردد عبارة كتبها يحيى في هذه القصة: “إنها الحقيقة نحكيها كما جرت بغير زيادة وبغير نقصان”.

ربما تكشف هذه العبارة نهج يحيى في الكتابة، فمن الواضح أنه كان مُشبعاً بالحكايات، وكان بحاجة لأن يفرغها. والعقلاء في القرية يتفهمون هذا جيداً، فيرى الحاج عبد الستار أن ليس لدى يحيى غرض من استخدام أسماءهم الحقيقية سوى المزاح معهم.

لم يكن باقياً أمامي سوى الذهاب إلى المكان الذي عاش فيه يحيى الطاهر عبد الله، إلى المكان الذي شهد تمرده.. صراخه.. وجنونه.. إلى المكان الذي ألهمه بعشرات القصص، إلى بيته والديوان (دار مناسبات العائلة).

حتى تصل إلى البيت، لابد أن تمر على ساحة الشيخ موسى، وضريحه. كنتُ أتخيل يحيى وهو يمر من أمام المريدين والشحاذين والنساء المغلوبات على أمرهن، وأقول: كان عليه أن يكتب كل هذا.. كان عليه أن يكتب أكثر من هذا.

البيت – لحسن حظي – لا يزال على حاله.. أي أنه بيت طيني. له طابقان؛ الأول كما قال لي أحدهم كان مدرسة، والثاني كانت تعيش فيه عائلة يحيى.

BeautyPlus_20181221140506326_save

أما الديوان فمنفصل بذاته، يقع على بعد خطوات من البيت. وهو محض ساحة كبيرة، مُلحق بها غرفتين، ساحة بها الكثير من المقاعد الخشبية. الديوان يضم فعلاً (ثلاث شجيرات كبيرة تثمر برتقالاً) وهو عنوان المجموعة القصصية الأولى ليحيى.

كان الحاج جمال، أخو يحيى، ينتظرنا أمام البيت، فعادل كان قد اتصل به وأخبره بقدومنا. سلمت عليه، وقبل أن أدخل سألته: هل فعلاً تريدون تغيير اسم الشارع من شارع الشيخ موسى إلى شارع يحيى الطاهر عبد الله؟ قال: أبداً.. من قال هذا الكلام.. الشارع أصلاً كان قديماً باسم عائلتنا، كان اسمه شارع الشيخ عبد الله عوض، لكن بعد وفاة الشيخ موسى، غيروا اسم الشارع، ورغم ذلك نحنُ لا نسعى إلى جعله باسم يحيى. والدليل على ذلك، أننا لم نكتب على البيت أنه بيت يحيى الطاهر عبد الله، لأن يحيى لم يكن يعنيه هذا، وكان ينصحنا دائماً بألا نمشى في الشارع ونقول أننا أخوته.

دعانا الحاج جمال للدخول إلى المندرة، واستأذن قليلاً لينده أخاه عبد الناصر. أثناء غيابه قال لي عادل: ليس صحيحاً أن الشارع كان باسم عائلة عبد الله، الشارع قديما كان اسمه (نجع الكرنك/ التماسيح)، ومعي خريطة بذلك.

وهو يتكلم، انتبهت لصورة يحيى المُعلقة على الجدار، “ياه، كم يبدو شاباً، وشقياً”.

BeautyPlus_20181221132925004_save

ظللتُ لدقائق أحدق في الصورة، هي صورة مشهورة جداً له، تلك التي يضع فيها يده اليسرى على رأسه.

كانت هناك أيضاً صورة مُعلقة، لكنها ليست ليحيى، إنما لوالده، الكامل، أو الطاهر، وكان يبدو فيها هو أيضاً شاباً، لكن شاباً ملتزماً جداً، إذ كان يرتدي فيها الزي الأزهرى.

أتى الحاج جمال ومعه الحاج عبد الناصر الذي كانت ملامحه بها شيء من يحيى. وحين لاحظ الأول أنني منشغلة بالصورتين، قال: لأجل هذا نحنُ نحتفظ بالبيت، ولا نريد هدمه، لأن به كل ذكرياتنا.

كان يحيى قريباً جداً من والده، فهو أكثر أخوته تأثراً بالجو المشحون بالقراءة والكتابة، وكانت نشأته في بيت به مدرسة الأثر الكبير في جعله يرى نفسه مختلفاً، ولا يحتاج إلى ما يحتاجه عامة الناس.

يقول الحاج عبد الناصر إن والده هو من ضغط على يحيى لكي يستكمل تعليمه، لأنه في الصف الثاني الثانوي أعلن عن تمرده على كتب المدرسة، ورأى أنه ليس بحاجة إلى شهادة، إذ كان متأثراً جداً بالعقاد، ويريد أن يُعلم نفسه بنفسه، لكن إرضاء لوالده آخذ يحيى الدبلوم.

-هل كانت له مكتبة؟

-لا.. يحيى كان يتحرك بكتبه، لأنه لم يكن يريد أن يستقر في البيت

ظل يحيى طيلة حياته في صراع مع والده، الذي كان متديناً، ويحرص على العادات والتقاليد، لكنه رغم ذلك لم يكن يتجاوزه، وكان يعمل حساباً لوجوده.

يتذكر الحاج عبد الناصر: في يوم جاءت أمي، وبدون قصد منها، سألت يحيى عن السجائر التي وجدتها وإن كانت تخصه، فأنكر تماماً إنه كان يُدخن، حتى لا يغضب أبيه.

وحين أتى الناس، وقالوا له إن ابنك صار شيوعياً، أقسم يحيى إنه لم يصر، وحتى يثبت له صحة مايقول، ويخرس الألسنة، استهل مقدمة مجموعته (حكايات الأمير حتى ينام) قائلاً: “الحمد لله الذي لم يسلبني كل نعمه فمنحني نعمة الخيال.. والصلاة على النبي الذي أجار غزالة البر لما استجارت به من شر صاحبها اللئيم”.

يقول الحاج جمال: كان ليحيى ذاكرة قوية، إذ كان يعرف القرية بيتا بيتا، وكان أيضاً يعرف النسوة اللاتي لديهن الحكايات، ويجلس معهن على المصطبة. كما كان يجلس مع عم عبد الظاهر الذي كان يغنى المواويل التي تحمل أخبار الكرنك. كان يحيى يأخذ ما يريده من هذه الحكايات، ويكتبها. يحيى كان ذكياً جداً، ويعرف كيف يتحدث إلى الناس، وربما لأجل هذا صار قريباً منهم.

يحيى أيضاً كان عصبياً، وحاد المزاج، ويعمل ما في رأسه. هو مثلاً ظل لفترة طويلة لا يحمل بطاقة هوية، لأنه يريد أن يكتب في خانة الوظيفة أنه كاتب قصة، ولأن الدولة حينها لم تكن تعترف بالكتابة والأدب كمهنة، قوبل طلبه بالسخرية، فما كان أمامه سوى أن يسخر هو أيضاً منهم، فحين ذهب لاستخراج شهادة ميلاد لابنته أسماء، طلب من الموظف أن يكتب في المهنة أنه مدبغي، أما في شهادة ميلاد ابنته الثانية هالة كتب أنه فلاح.

هكذا كان يحيى فوضوياً، لا يحمل أوراقاً رسمياً، ويستعيض عن بطاقته بإحدى صفحات المجلات التي نشرت له إحدى قصصه مصحوبة بصورة له، ليقدمها للمخبرين ورجال الشرطة.

حتى بعدما مات، ظلت أوراقه تواجه بيرُقراطية الدولة، لأن اسمه مركب، فهو عبد الفتاح يحيى، والاسم مكتوب هكذا في شهادة الميلاد، أما في شهادة الوفاة فكُتب يحيى فقط، وهو ما جعل المؤسسات الرسمية لا تعترف لفترة طويلة بوفاته.

يستكمل الحاج جمال: لا أعرف لماذا سمى والدي يحيى هكذا، فأخونا الكبير (محمد رشاد) اسمه أيضاً مركب، ربما كانت عادة، والاثنان محمد ويحي من أم ثانية، وهي السيدة أسماء عبد السميع، خالتنا، أما أمنا نحنُ الأخوة الست فتُدعى صالحة عبد السميع.

يضحك الحاج عبد الناصر وهو يتذكر موقفاً يخص علاقة أمه صالحة بيحيى. ففي يوم أتت إحدى الجارات، وقالت ليحيى كي تكيده أن صالحة لا تحبه، لأنه ليس ابنها، فصعد إلى السطح، وألقى شوالاً من القش، فصرخت صالحة، ضاربة على صدرها: ولدي. فقال لها يحيى: ماتخفيش يامّا.. أنا لسا عايش.

يحيى كان مُرهف الحس، ويتأثر بأي شيء، وكان يشعر أنه سيموت صغيراً. يواصل الحاج عبد الناصر: كنتُ أسأله دوماً لماذا يا يحيى تنام بالنهار وتصحو طوال الليل، فيقول لأنني أخاف.. أخاف أن يأتي النهار وأجد نفسي فيه ميتاً.

في أواخر أيامه، كان يحيى قريباً جداً من الحاج عبد الناصر، ويقرأ له ما يكتبه. ولطالما حذره عبد الناصر من استخدام الأسماء الحقيقية لأهالي الكرنك، لكن يحيى لم ينصت له، فهو لم يكن يعلم أن روايته الطوق والأسورة ستتحوّل إلى فيلم. “أصلاً يحيى بينه وبين نفسه كان يتحدى أي مخرج أن يحوّل هذا العمل بالذات إلى فيلم، لذا كان يعمل على كتابة قصة عن الغجر لكي تكون فيلماً يخرجه خيري بشارة، لكن حين عاد الأخير من أمريكا وفوجئ بموت يحيى، قرر أن يجمع بعض من حكاياته ويجعلها فيلماً”.

-وماذا فعلتم مع الناس التي غضبت من يحيى؟

-كلهم أولاد عمنا.. ماحدش غريب

يظن الحاج جمال الذي كان يطلق عليه يحيى اسم “بريخت” أن الكثير مما جاء في الفيلم من خيال الأبنودي، وأن يحيى لم يأتي بسيرة الشيخ موسى في كتاباته، وأنه لم يذكر شيئاً عن عائلة بخيت البشاري، لكن الحقيقة عكس ذلك بالطبع، فمن الواضح أنه لم يقرأ الرواية.

BeautyPlus_20181221142200633_save

سألني إن كنت أريد أن أتحدث أيضاً مع أخوات يحيى البنات، فقلت له: طبعاً.. ياريت.

آخذني إلى بيته الصغير، الذي يقع خلف بيت العائلة، ونده على أخته ناريمان. اسمها يُشبها للغاية، فهي قصيرة جداً، وعجوز جداً، ولها خجل فتاة في الرابعة عشر من عمرها. لم تكن تذكر للأسف شيئاً عن يحيى. ولا أعرف لِمَ لم يكن لديها استعداد أن تتذكر شيئاً. لم أرد أن أحرجها. وتركتها ذاهبة مع الحاج جمال إلى عواطف، أخت يحيى أيضاً.

كنتُ أعرف عواطف من قصة (جبل الشاي الأخضر)، فقد حكى عنها يحيى قائلاً: “ولما طلبت عواطف أختي التي تصغرني بتسعة شهور كاملة لنفسها من جدها شاياً أحمر.. قلت مخاطباً جدي: ليه عواطف الصغيرة تشرب الشاي الأحمر.. والله العظيم ثلاثة يا جدي دمها كله هيتحرق.. أصل دماغها ناشفة من نوع الحجر وعايزة الكسر”.

لم تكن عواطف هي الأخرى تذكر شيئاً عن يحيى. وهو ما جعلني أقول في سري: بإمكان الزمن أن يفعل أكثر من ذلك. لكنها قالت عبارة واحدة وهي: “يحيى كان حنوناً للغاية، وشرساً للغاية”.

الإعلانات

نُشرت بواسطة

إسراء النمر

صحفية مصرية من مواليد القاهرة (يوليو 1991)، درستُ الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة (2008 - 2012). التحقتُ بمؤسسة أخبار اليوم في أكتوبر 2010، والآن أعمل لدى جريدة أخبار الأدب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s