أضرحة وسط البلد.. تحت القبة شيخ حزين

41113217_514980905633877_1083886403609165824_n

منذ سنوات، وأنا أفكرُ في أضرحة وسط البلد، أو الدَّاون تاون، لكن كان هناك شيء يمنعني، ليس فقط من الكتابة عنها، بل من طَرْق أبوابها، وكنتُ أشعر بالأسى لهذا، لأنه يعني أن الولي، أو الشيخ، لا يفعل المطلوب منه، وهو جذب التائهين والمُعذبين إليه، وأنا طيلة الوقت تائهة ومُعذبة. ولن أخفي أنني في أوقات كثيرة ألجأ لأضرحة آل البيت، مثل الحسين، والسيدة زينب، كي أهدأ، وأطمئن. وليس هذا نابعاً من إيمانٍ بقوتهم الخارقة، أو بقدرتهم على الوصل بيني وبين الله، ولكن لأنني أحب الطقوس التي تُقام هناك، أو بالأحرى، أحبُ هذه الحالة من التلاشي، والتسليم التام.

ولأن وسط البلد مُرتبطة عندي، وعند غيري، بالمثقفين والسائحين والعرب، وبالمكتبات والمقاهي والبارات، وبالسينمات ومحال الملابس والأنتيكات، كنتُ أشعر دوماً أن أضرحتها مظلومة لحد كبير، لأنه لا أحد يلتفت لها، لا أحد يبكي أمامها، لا أحد يُمسك بحديدها، ويُقبّله، لا أحد يطلب منها المدد، حتى أبوابها لا يجلس بجوارها القطط، والشحاذون، والمريدون.. أنا أبالغ.. بالطبع ليس لها مريدون، لأنها أضرحة مجهولة، وأولياؤها-بغض النظر عن كونهم مدفونين فيها أم لا-فهم مجهولون.

لذا، كان أول شيء عليّ أن أفعله، هو أن أترك نفسي للشوارع، والناس، كي يمسكوا بيدي، ويأخذونني إلى الأضرحة. وكان لهذا متعة كبيرة. لأنني اكتشفت أن هذه الأضرحة تتسم بأشياء لا تملكها مثيلاتها، أولها الهدوء الذي يُصيبك بالدوار، ثانيها الرغبة العارمة في البقاء في الظل، ثالثها تمسكها ببساطتها وبدائيتها رغم الحداثة التي تحيط بها من كل اتجاه. ولعل وجودها في هذه المنطقة بالتحديد، التي كانت ذات يوم منطقة أوروبية خالصة، هو ما يجعلها تتميز بالتفرد، والغرابة.

هذه المرة، مشيتُ في وسط البلد، كما لو أنني لم أمشِ فيها من قبل، إذ تعمدت أن أتوه كثيراً، كي أشعر أنني أطوف، وأركض وراء أشياء خفية. وأحببتُ أن أقسِّم جولتي على أيامٍ متفرقة، كي أتشبع تماماً، وأمعن النظر في الأضرحة، التي بدتْ لي مثل امرأة يخشى الرجال الاقتراب منها.

كما تعمدت في الوقت نفسه، أن أبدأ من حيث أعرف، تحيةً لأول ضريح كشف لي الوجه الصوفي للدَّاون تاون.

41144515_298851440897359_4974672271755968512_n

الشيخ معروف

الشيخ معروف. إنه أول مقام مررتُ عليه في وسط البلد التي بدأت علاقتي بها منذ عشر سنوات تقريباً، وذلك لأنني أفضل المشي في الشوارع الداخلية، حباً في العمارة، ورغبة في تفادي الحشود، فحين أريد أن أذهب إلى مقر عملي الذي يقع في شارع الصحافة، وأكون آتية من ميدان عبد المنعم رياض، ولا يكون لديّ مزاج لأن أمشي في شارع رمسيس، أدخل  إلى شارع الشيخ معروف، ومنه إلى شارع شامبليون، الذي يصل بي إلى دار القضاء العالي، ومن ثم إلى مستشفى الجلاء، الذي يقع على ناصية شارع الصحافة.

يتميز شارع الشيخ معروف بهدوء غريب، رغم أن به الكثير من المحال المتخصصة في الدُّوكو. هذا الهدوء هو ما جعل المسجد، أو المقام، الذي يقع في نهايته، جلياً لأعين المارة، والعابرين.

حين وصلتُ إلى هناك، كانت صلاة الظهر قد انتهت، وكان المصلون قد عادوا إلى مشاغلهم، ولم يبق منهم في الساحة سوى الكسالى، والمتعبين من الحر، والذين ليس ورائهم شيء.

كان هناك رجل عجوز يجلس على سلالم المسجد. سألته عن المقام، فأخبرني أنه يقع في الممر الجانبي، وسألني إن كنت أريد أن أصلي ليدلني على مصلى السيدات. لم أرد عليه، لأنني كنتُ غارقة في دهشتي لكون المقام منفصلاً عن المسجد.

مشيتُ في الممر. كان مُعتماً، وهادئاً. المقام كذلك. إذ كان بابه الحديدي المُفرَّغ موصداً بالقفل، ولا ينفذ إليه حتى ضوء النهار، وهو ما دفعني إلى استخدام كشاف الموبايل، لأرى ما بالداخل، كان يحجب المقام مشربية، وكان أمامه مساحة لا بأس بها لمن يريد أن يجلس أمامه، كما كان التراب يكسوه بالكامل، استطعت أن أرى الصور المُعلقة، التي كانت إحداها للكعبة، وأخرى للفظ الجلالة، وواحدة لهذه الآية (إنا فتحنا لك فتحاً مُبيناً).ولم ألحظ صورةً أو ورقةً تحمل معلومات عن الشيخ معروف، لكن على بابه كانت هناك لوحة رخامية صغيرة، عرفتُمنها أن المقام أنشئ عام 1911.

عدتُ ثانية إلى الرجل، ربما يعرف -بحكم أنه من السُّكان القدامى- عنه شيئاً، لكنه لم يكن يريد أن يتكلم، لا أعرف لِمَ، فذهبتُ إلى أحد عمال المسجد، ويُدعى تامر عبد رب النبي، الذي مزح معي في البداية قائلاً: والله أنا جيت لقيته الشيخ معروف. ولمّا وجدني لا أضحك. أضاف بجدية أنه كان هناك كتاب -يحتفظون به في المسجد- يتحدث عنه، لكنهم ضيعوه.

كما أخبرني أن المقام كان بداخل المسجد، وحين جُدد عام 1999، تم فصله، تفادياً لحدوث خلافات مع الذين يرفضون الصلاة في المساجد التي بها مقامات، أو أضرحة، وأخبرني أيضاً أن ما يُشاع عن الشيخ معروف أن بشرته كانت سمراء، وهو ما يرجح أنه كان نوبياً، أو سودانياً.

هذا ما قاله أيضاً، بكر معوض، صاحب إحدى ورش الدُّوكو، فالحكايات التي سمعها من أبيه، ومن الجيران، تفيد أن الشيخ معروف كان رحالة، وأنه جاء من السودان، وأقام في هذا المكان، بجوار البئر التي لا تزال موجودة داخل المسجد. لكنه في الوقت نفسه، لا يعتقد أن هناك أحداً مدفوناً في المقام، لأن أثناء نقله، لم يجد الناس عظاماً، ولا حتى ضرساً واحداً، وتم تأويل هذا، بأن الولي لا يظهر على البشر العاديين.

لم أكن أعرف بِمَ أردُّ عليه، وشعرت أن مهمتي أن أنصت فقط لما سيقولنه يقوله الناس.

تركتهُ،وأنا أفكر في الشيخ معروف، وأفكر لو كان حقاً مدفوناً في مكان آخر، ما الذي فعله ليَدُم اسمه لهذا اليوم؟ لأجدُ نفسي وصلتُ فجأة إلى ميدان طلعت حرب. لأبحث عن ضريح آخر. وعن حكاية أخرى.

TEK_5933

سيدي حمزة الصحابي

كان ثاني الأضرحة التي أعرفها،هو ضريح حمزة الصحابي، الذي يقع في شارع هدى شعراوي. والذي أشعر أنني تعلقتُ به دون قصد، إذ أمرُّ عليه دوماً حين أكون ذاهبة إلى مكتبة تنمية، أو إلى مطعم فلفلة.

كان هدوؤه، وأناقته، يثيران استغرابي. وجوده في هذا الموقع أصلاً مُثير للاستغراب. فهو على نفس الصف الذي به بار (ستلا)، ويعتبر قريباً جداً من مقهى (ريش)، وهو ما جعلني أنشغل كثيراً بفكرة السُّكر وعلاقتها بالتصوف، وأن لا عيش لمن عاش صاحياً، كما قال ابن الفارض، وجعلني أيضاً أتخيل المثقفين وهم خارجون من ستلا أو ريش بعد منتصف الليل في حالة من الفقدان التام للوعي، ويدخلون إليه ليصلُّوا، أو ليقيموا ليلة مدح.

كما أنه قريب من قهوة زهرة البستان، مقصد الكُتّاب. وقريب أيضاً من بطريركية الأرمن الكاثوليك. فإذا وقفت على باب الضريح، ورفعت رأسك قليلاً، سوف ترى الصليب الذي يعلو القبة المخروطية.

كان يثير استغرابي أيضاً، المرأتان اللتان تجلسان بجوار بابه، حيث عرفت اسم واحدة منهما بالمصادفة، إذ كنتُ ذات يوم أنتظر أحداً أمام الضريح، وسمعتُ رجلاً ينده ويقول: يا ست صباح.

رن الاسم بداخلي حينها، وحفظته. وكنت كلما مررتُ من أمامها، أسلِّم عليها في سري. ربما يعتبر البعض هذا هبل، أو جنون. لكنني حقاً كنت أفعل ذلك، ولم يكن لديّ أي تفسير لهذا.

كما لم يكن لديّ تفسير لتحفظي على أن أسألها عن الضريح. شعرتُ من داخلي أنها طيبة، وأنها ليس لها في شيء، رغم أن مظهرها، الذي يبدو بالمقارنة للنساء اللاتي نجدهن دائماً في أي ضريح، كان مُغايراً، إذ ترتدي دوماً بنطلوناً وبلوزة تكون في الغالب لونها زاهياً، وسادة، كما يقولون.

– ازيك يا ست صباح

– ايه دا إنت تعرفيني منين؟

– دا انتِ مشهورة خالص

ضحكت، وضحكت المرأة الأخرى التي تجلس بجوارها، والتي عرفتُ منها أن اسمها نورا، وأنها أختها. كانتا تمسكان بأيديهن سبحتين. ففهمت أنهما خادمتا الضريح. وكان هذا شيئاً ثالثاً مُثيراً للاستغراب. لأننا اعتدنا دوماً أن يكون الخادم رجل، خصوصاً لو كان الضريح لرجل.

سألتهما عن حمزة الصحابي. كانتا خائفتين من الرد، بالأحرى، من وزارة الأوقاف. قلت لهما أنني أريد فقط أن أعرف ما لديهم من معلومات. أشارت صباح إلى اللوحة الرخامية المُعلقة بجوار الباب، والمكتوب عليها أنه (ضريح العارف بالله سيدي حمزة بن محمد بن هبة الله بن عبد المنعم/ الصاحب الشهير بالشيخ حمزة الصحابي)، أما نورا فاصطحبتني إلى الداخل.

كان الضريح في غرفة ضيقة، ومنفصلة عن المسجد الصغير المُلحق به. وبدا عليه الاهتمام. حيث السجاجيد النظيفة، وغطاء المقام المصنوع خصيصاً له، إذ كان مكتوباً عليه اسم الشيخ.

عدتُ إلى صباح، لأدردش معها قليلاً، فخرجت منها بمعلومات لا بأس بها، أنه منذ بناء وكالة أنباء الشرق الأوسط، التي على بعد خطوات منّا، لم يتم إقامة المولد السنوي لحمزة الصحابي، وأن أخر مولد عاصرته له، كان وهي عمرها 15 عاماً تقريباً، وأنها ورثت هي وأختها خدمة الضريح بعد وفاة والدها، وأن الزيارات شحيحة جداً، حتى من يدخل ليصلي قد لا يقرأ الفاتحة له، قد لا يلاحظه أصلاً، وبررت ذلك بأن حمزة الصحابي كان لا يريد أن يكون مشهوراً!

-عرفتي منين؟

-…………..

-طيب متأكدة إن فيه حد مدفون هنا؟

– آه طبعاً.. أمال الراحة النفسية اللي بنحسها هنا جاية منين.. وريحة المسك اللى بتظهر فجأة

لكنها عادت، وقالت إنها ليست معنية بهذا كله، هي فقط عاملة في وزارة الأوقاف، وتفعل ما يمليه عليها ضميرها.

قبل أن أتركهما سألتهما إن كانتا تعرفان أضرحة أخرى قريبة، فأخبرتاني أن هناك ضريحاً لشيخ اسمه حمزة أيضاً يقع في شارع البلاقسة، وأن هناك ضريح الشيخ معروف، فأخبرتهما أنني ذهبت للأخير، وأنني أعرف ضريحاً أخر يقع بجوار وزارة الأوقاف، فقالتا أنهما لا تعرفان عنه شيء.

40628796_479469015864539_8915132357258772480_n

سيدي أبو السباع

لم أكن متذكرة بالضبط الشارع الذي سيصل بي إلى وزارة الأوقاف، فخرجتُ من هدى شعراوي على أحد الشوارع المتفرعة منه، وهو شارع يوسف الجندي، الذي تقع على ناصيته البطريركية، فوجدتُ نفسي في شارع محمد صبري أبو علم، ومشيتُ،مُعطيةً ظهري لتمثال طلعت حرب، لأجد نفسي أقترب شيئاً فشيئاً من الوزارة، التي بمجرد أن وصلت لها، شعرتُ بحيرة بشأن الحارة التي يقع فيها ضريح ومسجد أبو السباع.

كنت أقف فيما يشبه الميدان، حيث تقاطع شارع شريف مع شارع البستان. رأيتُ من بعيد محلاً اسمه (بيت العطارة المصري)، بدا عليه القِدَم، فذهبت إليه، ربما يعرف أحد فيه الضريح.

خرج لي رجل ضخم، اسمه سيد البنهاوي، أشار إلى حارتين، بإمكاني أن أصل من خلالهما إلى المسجد، وهما حارة الشيخ أبو السباع، وحارة باب اللوق، التي تواجه الوزارة، لكنه أخبرني أن المسجد ليس به ضريح. قلت: حسناً.. لنر. واخترتُ أن أدخلَ من الحارة التي على اسم الشيخ. والتي ظهر في نهايتها المسجد بواجهته البدائية. إذ كانت لافتته قديمة، ومكتوب عليها (مسجد عبد الرحمن أبو السباع)، بينما ظهرت كتابة بالخط العربي فوق الباب، تم طلاؤها باللون الأخضر، تفيد أن المسجد تم تجديده في عصر الخديوي عباس الثاني.

لم أستطع الدخول لأن المسجد ليس به مصلى للسيدات، ولم يكن هناك عامل، أو شيخ لأسأله. فاضطررتُ إلى اللجوء لأحد الرجال الذين كانوا يملؤون الحارة، والذين يعملون لدى مخازن التوحيد والنور، وأسأله عما إذا كان صحيحاً أن لا ضريح بالداخل.

أوقفت رجلاً يحمل على كتفه كرتونة كبيرة، لا أعرف لِمَ اخترته على وجه التحديد، المهم أنني أوقفته، فأخبرني أنه يصلي دائماً في المسجد، ولم يرَ في يوم أي ضريح.

– طيب عايزة أوصل لإمام المسجد

– خبطي على البيت دا هما معاهم رقمه

فعلت ذلك، فخرج لي ولد في عقده الثاني من البلكونة. أخبرته أنني أريد رقم الشيخ أحمد ربيع، فهز رأسه بالإيجاب، قائلاً: ماشي. نزل ومعه الموبايل. كان أهله قد اتصلوا بالشيخ، وأعطوه خلفية. أعاد الاتصال به ثانية، فجاء صوته الذي على سفر، معتذراً عن عدم وجوده، موضحاً أن الضريح تم إزالته منذ 30 عاماً، لكن عبد الرحمن أبو السباع لا يزال مدفوناً داخل المسجد، ولا أحد يعرف ذلك، سواه هو والعمال، وأن قبره يقع في الغرفة التي يستريح فيها. وظل يؤكد على أنه يراعي حرمته جيداً، فهو لا يتحدث بصوت عالٍ، ويجعل موبايله دائماً “سايلنت”.

أما عن هوية أبو السباع، فقال إنه بحث عنه كثيراً، ولم يصل لشيء، سوى أنه شيخ يُنسب إلى السباعيين، وهم طائفة من آل البيت، وجذورهم تمتد إلى المغرب.

شكرته كثيراً، وأخبرني في نهاية المكالمة أن المسجد سيتم تجديده خلال هذا الشهر. وشكرت أيضاً الولد، الذي وجدت أخته قد أحضرت لي كرسياً، وكوباً من عصير المانجا.

41007374_336480100432411_5432492996413095936_n

سيدي عبد الله المحض

رابع ضريح أعرفه هو ضريح عبد الله المحض، الذي يقع في شارع الشيخ ريحان، ورغم أنني كل يوم تقريباً في وسط البلد، إلا أنني لم أذهب إلى هذا الشارع منذ أيام الثورة، لذا دخلته بعينين غريبتين، إذ كنت أتطلع للمباني القديمة، كما لو أنني أراها للمرة الأولى، وأقف لأصوّرها، كما كنت أفكر ماذا بإمكاني أن أفعل إذا أوقفني أحد رجال الأمن، عندما أصل إلى الضريح، فالمعروف أنه ملتصقاً بسور وزارة الداخلية، وحاولت أن أسيطر على أي توتر أحسستُ به، وأن أَعُدَّ الهيئات التي أمرُ عليها: مسرح ليسيه الحرية.. وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية.. الإدارة المركزية للمعامل.. مدرسة القديس يوحنا دى لاسال- الفرير.

وحين وصلت إلى وزارة الداخلية، هذا المبنى الهائل الضخم، ذو الشبابيك المُعْتمة، شعرتُ كما لو أنني أمرُ على جثة، إذ لا صوت يصدر منها، لا حركة، لا سيارة تدخل، أو تخرج، وحاولتُ أن أركز على السور لأعثر بمفردي على ضريح، أو زاوية، أو مسجد، لكنني لم أجد شيئاً، وهو ما دفعني لسؤال أحد رجال الأمن، فقال إنه لا يزال أمامي خطوات عدة لأصل إليه، وكانت هذه أول معلومة مغلوطة لديّ يتم تصحيحها، وللصراحة، شعرتُ براحة، وطمأنينة، فقد كانت البيوت الشعبية قد بدأت في الظهور، بالأحرى، الحياة.

أول شيء صادفته كان قهوة بلدي يجلس فيها عدد من الرجال البسطاء، وأمامها كان يقع الضريح، الذي بدا أنيقاً، وهادئاً، حيث له قبة خضراء، وله أيضاً مئذنة، وهو ما يعني أنه مسجد، وليس زاوية، كما أن له ساحة صغيرة محاطة بسور حديدي، وعلى الواجهة دوّنت هذه الآية بكتابة رخامية مجسمة (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

كان باب المسجد مفتوحاً، والذي كُتب أعلاه تعريفاً مختصراً للشيخ أنه (ابن ابن الحسن بن بنت الحسين رضي الله عنه)، ليعرف الناس بسهولة أنه من آل البيت، وليس محض شيخ عادي، ويبدو أن القائمين على المسجد يهتمون به إذ علقوا لوحة رخامية بها اسمه الكامل أن (هذا مقام سيدي عبد الله المحض الحسني بن) سيدي حسن المثنى ابن سيدي الإمام الحسن السبط ابن سيدي الإمام علي كرم الله وجهه)، والذي توفي عام 145 هجرية، ووالدته (السيدة فاطمة النبوية بنت الإمام الحُسين بن الإمام علي وبن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله)، كما كُتب اسم الرجل الذي جدد المسجد والضريح وهو عبد القادر محمد، وبعده فاعل خير!

لم أكن بحاجة في هذا الضريح لمعلومات أكثر من ذلك، ودخلتهُ وأنا مرتاحة البال، ووجدته أنيقاً من الداخل أيضاً، إذ يعتني به خادمه، الذي يقوم كل يوم بتشغيل القرآن فيه، ورش المسك، وإشعال البخور.

يحيط بالضريح مقصورة حديدية، وفرع من الأنوار، التي تُضيء وتنطفئ، والتي يستخدمها الناس في شهر رمضان. وعلى سقفه وجدتُ مصحفاً مفتوحاً على سورة يس، حيث كانت ترقد في قلبه سبحة خاشعة.

TEK_5729

حين خرجتُ، لمحتُ على الناصية المواجهة للضريح، محل كبابجي، سُميَ باسم الولي، ذهبتُ إليه، وتحدثت إلى الرجل الذي كان يعد أطباقاً شهية من الكفتة، قال لي إنه صاحب المحل، وإن اسمه رضا، وإن والده، الحاج إبراهيم، رحمه الله، كان يتبارك بالشيخ عبد الله، ويحبه، ويواظب على حضور ليلة الذكر التي تُقام في ضريحه كل سبت، لذا استعان باسمه، كي ينعم الله عليه، ويرزقه من وسع.

-تخيلي حضرتك الطلبات مابتقفش، وعملنا زباين ياما

-طيب مين أكدلك إنه مدفون هنا؟

-مش مهم مدفون هنا ولا لأ، المهم البركة تحل علينا

وأنا أتكلم معه، رأيت أحدهم يُلوح لي من بعيد. كان رجلاً يجلس أمام محل لبيع قطع غيار السيارات، يبدو أنه علم أنني صحفية، وأراد أن يتحدث هو الآخر. ذهبتُ له، وسألته عما يريد، فسألني عما أريد، قلت له أنني أريد أن أعرف ما الذي تعرفونه عن سيدي عبد الله، قال إن أهالي “الحتة” كلهم يحبونه، ويعملون على حسه، وكثير منهم من يبدأ يومه بقراءة الفاتحة له.

-عارفة لو عايزة تتجوزي، وجيتي دعيتيالنهاردا، هتلاقي العريس بيخبط على بابكم بكرا

-يا سلام

-أه والله

تدخل أحدهم، يبدو من جلسته بجواره أنه صاحبه، قائلاً: “بلاش فتي يا حاج أشرف، مش للدرجة دي”.

عدتُ إلى رضا الكبابجي ثانية، وسألتهُ عما إذا كان هناك أضرحة قريبة، فهز رأسه بالإيجاب، وقال إن هناك ثلاثة أضرحة يعرفها، وهي: ضريح حمزة المغازي، وضريح الشيخ ريحان، وضريح أخر لا يتذكر اسمه بجوار مجمع خدمات طلعت القواس. وهو يواصل كلامه، خرج رجل من المحل، وقال لي بهدوء الأمهات: انت عايزة ايه يا أبلة.. كلميني أنا.

اتضح أنه صاحب المحل، وأن رضا عامل عنده. لا أعرف لِمَ كذب عليّ إذن، وتذكرت سريعاً أن الرجال دوماً يكذبون. المهم أنه أخبرني أنه لا يؤمن بالبركات، وهذا الكلام، وأن والده سمي اسم المحل بكبابجي سيدى عبد الله، لأنه يقع بجواره فقط، ولأنه علامة مميزة في المنطقة، وهذا ما سيجعل الناس يتذكرون المحل، ويصلون إليه بسهولة.

اعترض رضا، وقال بصوت مرتفع، وغليظ: “يا عم، الشيخ خيره علينا، وعلى المسجد كمان، لا قدر الله لو حد سمع إن فيه تكييف ولع، بيجي بدل الواحد، تلاتة”.

طلبت منهم أن يصفوا لي كيف أذهب إلى الأضرحة الثلاث. وقبل أن أتركهم، عرض عليّ صاحب المحل الزواج قائلاً: “لما تروحي للشيخ حمزة وترجعي، تكوني فكرتي في الموضوع”.

كنتُ متعجبةً من هذه الجرأة، أو الوقاحة، وظللتُ أضحكُ من الهم.

40654366_521368678325386_1923394923332108288_n (1)

سيدي حمزة المغازي

دخلتُ حارة طويلة، قالوا إنها ستصل بي إلى شارع البلاقسة، وما عليّ هناك سوى أن أسأل عن حمزة المغازي، وبالفعل حين وصلت، سألت، فأشار لي أحدهم إلى بيت، قائلاً إن الضريح تحته. ارتبكت قليلاً. وقلت له: “مش فاهمة”. قال بعصبية: “روحي هناك وهتشوفي”.

دخلت حارة تُدعى حارة الطاحونة، وظللتُ ألف حول نفسي، باحثةً عن الضريح، وخشيتُ أن أسأل فيتهمني أحدهم بالعمى. كانت هناك ورشة نجارة، ينبعث منها صوت راغب علامة، وهو يشدو بأغنيتي المُفَضلة: “قلبي عشقها والعيون، هويتها وأهلها مايرضون”، شعرتُ بالألفة، خصوصاً أن الورشة كانت ضيقة جداً، وتحمل لافتة مكتوب عليها (ما شاء الله.. لا قوة إلا بالله).

سألت ولداً صغيراً يقف بجوار الأخشاب، والبضاعة، التي رصت في الشارع، والمسنود غالبيتها على الجدران، عن الضريح، فقال: “اللى وراكي دا”.

لم أستوعب للحظات، إذ كان هناك رجل يجلس بجوار الباب المفتوح، سانداً بكوعه الأيمن على عكاز، سألته هو أيضاً، فأكد لي أن هذا هو الضريح.

رفعت رأسي، فوجدت فوق الباب الخشبي، كتابة منحوتة في الجدار، تفيد أن هذا مقام (سيدي حمزة السرسي المغازي)، وأيضاً (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). كما وجدت لافتة مُهملة، مائلة إلى اليمين قليلاً، مكتوباً عليها هذه الآية: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً”. وحين درتُ حول الضريح وجدت اللافتة الأصلية باسمه، والأشجار التي تحيط به من الناحية الأخرى.

دعاني الرجل الذي يُدعى حمادة عبد العزيز إلى الدخول، لأرى الضريح، فوجدتهُ على شمالي مباشرة، وحيداً، ومُعتماً، والتراب يكسوه من كل جانب، ووجدت أيضاً رجلاً يصلي بالداخل في الزاوية المُلحقة بالضريح، والتي كانت مُعتمة أيضاً، عرفتُ بعد ذلك، أن هذا الرجل هو صاحب ورشة النجارة، الذي يستغل حوائط الضريح الخارجية في العمل، كما وجدت مَنوَر البيت، نعم البيت الذي فوق الضريح، والذي هو عبارة عن أربعة طوابق تقريباً، ويتبع الأوقاف، مفتوحاً عليه، والذي بإمكانك الدخول فيه لترى نوافذ المطابخ والحمامات.

IMAG9728

وحين خرجتُ، سألت الحاج حمادة عما يعرفه، أخرج سيجارة من جيبه، وأشعلها، وأغلق عينيه قليلاً وهو يقول: “سوري في اللفظ أنا اطهرت هنا”.

يبلغ حمادة من العمر 53 عاماً، وهو من الأهالي القُدامى، الذين عاصروا التغيرات التي طرأت على المنطقة، لكنه أكد أن الضريح هكذا منذ رآه أول مرة وهو طفل. الذي تغير فقط أنه منذ العام الماضي لم يقيموا له المولد السنوي، والذي كان تأتي فيه الأحصنة والمراجيح. متابعاً أن هناك عائلة تُدعى عائلة الشيخ فخر، هي التي تتولى مهمة خدمة الضريح.

اتجهتُ لصاحب ورشة النجارة أيضاً، لأسأله، لكنه كان متحفظاً، ولم يقل لي حتى اسمه، وحاول أن يتبرأ من الضريح، قائلاً: “مابصليش هنا كتير، أنا بس كسلت أروح مسجد الكريدي”.

لا يهتم سكان حارة الطاحونة وشارع البلاقسة بهذا الضريح، ويتعاملون معه على أساس أنه بيت، حتى الأجيال الجديدة لا تدركه من الأساس، ويمرون من أمامه، كأنهم يمرون من أمام اللاشيء.

بعد قليل جاء هشام فخر الدين، حارس الضريح، والذي لم يفعل شيئاً سوى أنه أشار إلى صورة مُثبَّتة في جدار الضريح، قائلاً إن هذه صورة والده الذي لم يترك الضريح يوماً في حياته، كما قال إنه من أدخل الكهرباء إلى الضريح، ومَن جدده، رحمة ونور على والده، وعلى الشيخ حمزة.

تركتهم، وعيناي لا تريدان أن تتركا البيت الذي به ورشة النجارة، والمدوّن على أعلاه هذه الآية “وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم”، والذي من شدة ألفته وقفت أمامه، لأودعه.

40940693_2007198409344479_2211890578138857472_n

الشيخ ريحان

عدتُ ثانية إلى شارع الشيخ ريحان، لأبحث عن الحارة التي تقبع بها ضريحه، والتي دخلتها وأنا مُعبَّئة بالحكايات التي سمعتها عن البئر الموجودة بداخله، والتي يغطسون فيها الأطفال الرضع،كي يشفيهم الله من الأمراض، في طقس يشبه طقس التعميد في المسيحية.

لم أصدق نفسي حين وصلت، لم أصدق أنه هو الآخر محض بيت. بيت يُشبه البيوت الريفية. بيت له سور، لا تزال محارته صامدة، وبوابته أيضاً صامدة، والتي كانت تُشبه بوابة أيبيت عادي؛مُفرغة ومطلية باللون الأخضر.

أذكر اللون ليس لأن من البديهي أن يكون أخضر، لكونه باب ضريح، ولكن للتأكيد على أن البسطاء ليسوا بالبساطة، أو السذاجة، التي نظنها عنهم.

كان يجلس بجوار السور مجموعة من الرجال الذين يعملون في تصليح الموتسيكلات، والذين يرتدون الزي الخاص بهم، الذي يُدعى “العفريته”. دققت النظر أكثر لأتأكد أنني لستُ مُخطئة، فوجدتُ لافتة سوداء، حسمت لي الأمر، إذ كُتب عليها باللون الأبيض طبعاً، ما يؤكد أن هُنا ضريح الشيخ ريحان، وأنه يتبع مشيخة السادة الأحمدية. وتحت اللافتة، دُون رقم موبايل لشخص يُدعى (الحاج عزت). خمنت أنه خادم الضريح، أو مالك البيت!

سألت الرجال عنه، وعن الشيخ ريحان.

ضحكوا، وتطوّع أحدهم يُدعى رضا بالحديث عنهم، قائلاً بنبرة تشي بالسخرية: “مانعرفش حاجة عنه، إحنا هنا عاملين زي الإسرائيليين، والحيوانات، شوفي ابني اللى هناك دا”..”عامل زي الكلب، وتقريباً اللي خلفه كلب”.

“طيب، عايزة أدخل الضريح”. قلتُ. فوقف رضا ليفتح لي الباب، الذي كان موارباً، قائلاً لي: “ماتخفيش هنا السمك بنحطه.. ماينزشمايه”.

لم أفهم صراحة، وهذا ما جعلني أتسمر قليلاً في مكاني، ربما لأخمن ما يقصده، وربما لأنني كنتُ حقيقةً خائفة.

حين دخلتُ، وجدتُ على يميني ساحة فارغة، وعلى الفور لمحتُ البئر التي يتوسطها، بدت من الوهلة الأولى بئراً مُهملة. كما وجدتُ حَمَّاماً رديئاً، حَمَّاماً ليس له باب، وعلى شمالي وجدتُ غرفة، كما يقولون “على المحارة”، غرفة ليس بها شيءسوى الجدران.

“أين الضريح إذن؟” سألتُ نفسي، وحين استدرتُ، وجدتُ ممراً في نهايته باب. مشيتُ إليه، وأنا في ذهني الصورة المُعتادة لأي ضريح. وحين فتحتُ الباب، شهقت، والله شهقت، لأن المشهد كان يفوق تصوراتي، إذ رأيت حجرة مكتملة، بها سرير، وتلفزيون، ومروحة، ومنضدة، وبعض المستلزمات التي يحتاجها أي فرد من أطباق، وملابس، وأشياء أخرى متكوّمة فوق بعضها البعض، وفي وسط كل ذلك يوجد المقام، فتذكرت مسلسل (السبع وصايا)، ورسمت في بالي صورة متخيلة للحاج عزت هذا، أنه رجل قصير وسمين، وله شارب عريض، ويرتدي قميصاً وبنطلوناً، ويتحدث بدهاء وبخبرة العارفين بالأمور.

وأنا أهمُّ بالخروج، لا أعرف لِمَ شممتُ رائحة الموت، والتي لم أشمها في أي من الأضرحة التي زرتها. وقلت ربما هذه إشارة أن ثمة أحداً مدفوناً هُنا. لكنني عتبت على نفسي، وقلت في سري “يبدو أن الخرافات أثرت عليكِ”.

رجعتُ إلى الرجال، وسألتهم عن الحاج عزت، قال الرجل المتطوع بالحديث عنهم أنه يجلس هناك -وأشار بإصبعه- على القهوة، وطلب من أحد الصبية، أن يذهب، ويناديه.

انتهزت الفرصة لأسألهم ثانية عن هوية الشيخ ريحان، أكدوا بحسمٍ أنهم لا يعرفون شيئاً، وأنه هُنا من قديم الأزل. وأن الحاج عزت ورث عن عائلته خدمة الضريح.

قال رضا: “أوعي تصدقيه في حاجة.. دا ممكن يقولكإنه ابن الشيخ ريحان”.وراح يُقهقه.

أتى الحاج عزت، مُحطماً صورتي الذهنية عنه، كما فعل من قبله الضريح، أو المقام، إذ كان رجلاً طويلاً،ونحيفاً،وعجوزاً. يرتدي جلباباً، ويتعثر في مشيته، وتنبعث من فمه رائحة الموت!

كانت له عينان مربكتان، عينان لا تنظران إلى شيء محدد، لدرجة أنني كدتُ أسأله: “هل تراني؟”.

41162363_294477254702734_4171800445838163968_n

قلت له في البداية، أنني أريد أن أعرف من هو الشيخ ريحان، فقال لي بنبرة المسئول المُنشغل دائماً: “عدي عليا يوم الجمعة، أكون جبت الورق اللي فيه كل حاجة عنه”. فقلت له بذات النبرة: “لا.. أنا مش فاضية يوم الجمعة”. تنهد، أو بالأحرى، نفخ في وجهي. وقال: “تعالي ورايا، بس ما تخفيش”.

لم يكن يعرف أنني قد سبقته، وتعرفت على المكان.

اصطحبني إلى الداخل، ووجدته يرفع غطاء المقام،ويجلب من تحته الورق الذي يثبت أحقيته بخدمة الضريح، بعد الست ظُهره، أخته، قلت له: “إنت بتضحك عليا بقا”. لم يرد، فخمنت أنه لم يسمعني، وعرفتُ من الأوراق أن اسمه عز، وليس عزت، عز الدين محمود محمد، وأن الضريح خاضع للمجلس الأعلى للطرق الصوفية، وأنه قد سبق واشتكى عز إلى المجلس، الذي رفع بدوره الشكوى إلى محافظة القاهرة، من قيام جمعية (تنمية المجتمع لأبناء حي الشيخ عبد الله الخيرية) – والذي أخذني ليُريني إياهاوالتي تقع خلف الضريح على ناصيتي عطفة الشيخ ريحان وعطفة العجمي- بتغيير معالم الضريح واستخدام جزء من أرضه، بمعاونة عضو مجلس المحافظة،”في أنشطة لا تمت للتصوف بصلة”.

ظل يقول لي كل دقيقة: “ها، لقيتي مكتوب إيه”. كما ظلت عيناه لا تنظران إليّ. ثم أردف: “الضريح موجود منذ 250 عاماً، وورثت خدمته عن جدودي وأخوتي، أما أنا فموجود هُنامنذ عشر سنوات، ولديّ حُجة بالأرض.. هذا بيتي، لقد رممته على حسابي، فقد كان هذا السور على وشك الانهيار، وأنا من بنيت هذه الغرفة الفارغة لأنام فيها، وحين وجدتُ أن الجمعية تريد أرض الضريح الذي تُقدر بستة قراريط دخلت وأقمتُ بجوار الشيخ ريحان، لأحتمي به”.

40875993_522116708238115_3918630673702715392_n

-طيب يا حاج مين الشيخ ريحان دا؟

-يووووه.. قولتلك ماعرفش

شعرت بخيبة أمل، ولم يكن الرجل مُبالياً بي، بل رأى فيّ فرصة لا تعوض لأن يقول من خلالي، إن أرض الضريح ملكه، طالباً مني أن أصوّره بجوار الضريح، وأن أصوّره وهو جالساً على السرير، وهو واقفاً بجوار البئر. وطلبتُ منهُ بدوري أن أصوّره وهو جالساً بجوار الباب الخارجي.

وحين خرجتُ، وجدتُ الرجل الحشري، الذي كانت هيئته مثل هيئة القراصنة، يضحك ببلاهة، ويسألني: “ها قالك إيه؟”.

41117038_1101305356690608_4403921583983296512_n

الشيخ علي البراموني

عدتُ سريعاً إلى شارع الشيخ ريحان،ورأيتُ -وأنا ماشية أتطلع إلى البيوت- مسجد عماد الدين الذي أقيم عام 1979، والذي يجلس أمامه عدد كبير من الشحاذين والغلابة. لكم أحب أن أتطلع إلى البيوت، وإلى نوافذها. أرى أن النوافذ هي عيون البيوت، وكما تعكس العين روح صاحبها، تعكس النافذة روح البيت. وبيوت عابدين أرواحها طيبة.

كنتُ منتبهة جيداً للطريق – الذي كان يطول، أو هكذا هُيئ لي- حتى لا أنحرف عن الوصفة، أنه بمجرد أن أجد “ورشة الكوتش”، أكون قد وصلت إلى مجمع طلعت القواس الذي يقبع بجواره ضريح، لا يعرف من قابلتهم هويته.

وبالفعل، وصلت إلى الورشة، وسألت صاحبها عن طلعت القواس، كان ظريفاً للغاية، سألني عن البطاقة، فصمتُّ، وكنت على وشك أن أشتمه، فقالت لي امرأة تقف بجواره، وترتدي عباءة سوداء، أنه يمزح معي.

لم أكن أرغب حينها في أن أدخل في حوار معهما، وسألتهُ ثانية، فقال لي إنني لو تعبت نفسي ورفعت رأسي قليلاً سوف أجده أمامي. فعلت ذلك. وكان طلعت القواس يقع في نهاية الشارع الذي أقف على ناصيته.

مشيتُ إليه بخطى بطيئة، كنتُ قد تعبت للصراحة، ولمحتُ على سوره لافتة مكتوباً عليها “حارة البراموني”.

كان هناك رجل يجلس بجوارها. سألته عما إذا كان في هذا الشارع ضريح. تلعثم. وقال: “مش عارف”. ثم أردف: “لحظة. أنتِ بتقولي ضريح. أه أه. المسجد اللي وراكي دا جواه ضريح”.

كان المسجد متوسط الحجم، وكان هادئاً، وتشع من داخله العتمة. وبدا كأنه بُني أمس. إذ كانت جدرانه التي تم طلاء نصفها بالأبيض، والنصف الآخر بالأخضر، ومعها الشبابيك والباب، تلمعُ.

على أحد جدرانه، عُلقت لوحة مكتوباً عليها (الله نور السموات والأرض)، أما على بوابته عُلقت لوحة صغيرة باسم المسجد؛ الشيخ على البراموني. دخلتُ وأنا أضع يدي على قلبي. إذ كنتُ خائفة أيضاً. لا أعرف لِمَ أنا خائفة لهذا الحد من الأضرحة. ربما لغرابتها، وشعوري أنها تغرق في العزلة.

كان الضريح يقع بجوار “الميضة”. وكان مُغلقاً بباب زجاجي. ويبدو أنه مُهملاً. وأن أحداً لم يدخله لينظفه منذ فترة طويلة.

وأنا أنحني قليلاً لأرى ما بالداخل. سمعتُ أحداً يكحُ، فانتفضت. كان شاباً يريد أن يمرَّ ليتوضأ.

خرجتُ وأنا حاملة صندلي في يدي، متجهة لأقرب محل من المسجد. كان محلاً غريباً، لا يوجد فيه سوى ماكينة كبيرة. وكانت تجلس أمامه امرأة عجوز، ترتدي عباءة سوداء، وتمسك بيدها سبحة. اسمها أم إبراهيم. قالت إنها تدق الطعمية والكفتة، وإنها من سُكان الحارة.

-أنا يا عين أمك ماعرفش حاجة عنه، التاريخ اللي يعرف.. والشارع باسمه

-أيوا أخدت بالي

-والنبي يا بنتي أوعى تكتبي اللي قولته.. أصل ناس كتير زيك طلبوا مني انهم يكتبوا عن حياتي، وأنا برفض

قبل أن أتركها، أشارت إلى محل بقالة صغير، وأخبرتني أن صاحبه ساهم في تجديد المسجد. ذهبتُ إليه، ووجدتهُ غارقاً في الصمت، وفي الضوء الخفيف الذي ينفذ إلى الداخل.

اسمه عادل والي. وعمره 55 عاماً. ما يعرفه، أو ما سمعه، أن الشيخ علي البراموني كان عالماً أزهرياً، وكان دائم الجلوس في هذا المسجد، حيث كان يعطي فيه دروساً لطالبي العلم، وأنه قبل أن يموت طلب أن يُدفن فيه، ومع الوقت أقام له الناس هذا الضريح، الذي لا تهتم به وزارة الأوقاف. قائلاً: “لولا الأخوة اللي هنا في الحارة كان زمان المسجد بقا خرابة”.

أخبرني أيضاً أن هناك ضريحاً آخر على بعد خطوات منّا، ويقع أمام المسجد، وهو ضريح الشيخ فرج، الذي لم آخذ بالي منه، لصغر حجمه، ولوجوده بجوار عمارة فارهة.

40840100_1071166986380736_8872422906114605056_n

الشيخ فرج، ومحمد المنوفي

كان يقف أمام ضريح الشيخ فرج مجموعة من الشباب، يدخنون السجائر، ويتكلمون بصوت عالٍ. وقفتُ بعيداً عنهم. وقفتُ وظللتُ أحدق في الضريح. كان وجودي بالنسبة لهم غريباً. أخرجتُ الموبايل من حقيبتي لأصوّره، وكانوا هم بدورهم يصورونني بأعينهم. كنتُ مرتبكة قليلاً، ليس منهم، إنما من الضريح، الذي كان مُغلقاً بحسمٍ، كما لو أنه لا يريد من أحدٍ أن يقترب منه.

هو عبارة عن غرفة متوسطة الحجم. غرفة وحيدة. بُنيت له خصيصاً، كالغرف التي تُبنى للعجائز في العشوائيات. بابه خشبي. كُتب فوقه باللون الأخضر (هذا مقام العارف بالله الشيخ فرج رضي الله عنه وأرضاه). كما كُتب ذلك أيضاً في لوحة رخامية، عُلقت فوق الشباك الخشبي المحاط بسياج حديدي، والذي يقف أمامه الناس،ليقرؤوا له الفاتحة.

يجاور الضريح ورشة، لم أتأملها جيداً، ولا أذكر إن كانت لتصليح السيارات، أم لغسلها. وتجاور الورشة كشك، تجلس أمامه امرأتان. سألتهما عن الضريح. قالتا إن مفتاحه مع شخص يُدعى عمرو السيد. وتطوعت إحداهما بالنداء عليه.

كان عمرو يقبع خلف إحدى السيارات. ظهر سريعاً، كما لو أنه شبحاً. رحب بي، وتنهد، قائلاً: أخيراً هفتحه لحد.

الضريح يشغل الغرفة كلها. ضخماً للغاية. ولم يكن مُحاطاً بمقصورة حديدية. ولم يكن يُغطيه هذا الغطاء الأخضر المنقوش عليه آيات قرآنية. إذ كان ضريحاً من الرخام. وهو ما أعطاني إحساساً أنه قبر. ولأن القبور دائماً مُعتمة، استخدمت كشاف الموبايل، لأرى الكتابات المدوّنة على الجدران، وكانت كُكل الكتابات التي رأيتها من قبل؛ (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، و(اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله)، بالإضافة إلى منحوتة مُعلقة، تقول إن الأمير محمد أغا هو من قام بتجديد المقام، ويبدو أنها منحوتة قديمة، لأن الشكل الحالي للمقام، تم بيد الأهالي.

حكى لي عمرو قصة تجديدهم له، أنه منذ تسع سنوات تقريباً كان الضريح عبارة عن مقلب قمامة، وحدث أن رمى أحدهم -دون قصد- عود ثقاب على سطحه، فاشتعل، حتى كادت النار أن تلتهمه بالكامل، لكنهم استطاعوا أن يخمدوها، ما دفعه هو ومجموعة من الأهالي إلى ترميمه، حتى يعود كما كان، وهو الآن يجلس وعيناه طيلة الوقت عليه، حتى لا يُلقي أحد مرة ثانية أي قمامة على سطحه، أو أمام بابه.

لا يعرف عمرو من هو الشيخ فرج، ولا يعرف إن كان حقاً هناك أحد مدفون هنا أم لا، كل ما يعرفه أن الله سوف يرضى عنه لما فعله مع الضريح.

قبل أن أتركه سألته إن كان هناك أضرحة أخرى في هذه المنطقة، فقال إن هناك ضريح محمد المنوفي، يقع في حارة سميت باسمه، ومتفرعة من شارع الشيخ ريحان.

عدتُ للشارع، ومشيت قليلاً، وعند محل جزارة توقفت لأسأل عن الحارة، فأخبروني أنني أقف على ناصيتها. بمجرد أن دخلتها شعرت بالوحشة. إذ كانت هادئة، وكانت بيوتها الأولى على الصف الأيمنمُزالة، وهو ما جعل الضريح أول شيء أصادفه.

لا يختلف ضريح محمد المنوفي عن ضريح الشيخ فرج، من حيث الشكل، والحالة، فهو مثله غرفة منفردة، ومُغلقة.

40932416_684655575244516_2982699932026142720_n

لم يكن هناك أحد في الحارة لأسأله، وبالصدفة مر عليّ رجل، فأوقفته، ربما يعرف شيئاً، وبالفعل دلني على البيت الذي يسكن فيه الناس الذين يخدمون الضريح.

ذهبت إلى هناك مباشرة، والتقيت بامرأة عجوز، قصيرة، ترتدي خماراً، وتحمل بيدها شنطة سوداء بها طماطم.

-اسمك ايه يا حاجة

-اسمي زنوبه.. اسمي وحش مش كدا

ضحكتُ، وضحكت هي أيضاً، ثم قالت إن ولديها هشام وعلي إسماعيل يخدمان الضريح، وإن لا أحد منهما موجود الآن. كما قالت إن الحارة كان اسمها من قبل حارة الزير المُعلَّق، وصارت تسمى باسم حارة المنوفي منذ فترة طويلة. وأضافت: “صحيح أن الأعمار بيد الله.. لكن الناس هنا يعيشون أطول من سكان الحارات المجاورة، وذلك ببركة المنوفي”.

وسألتني: هما هيشيلوا الضريح ولا إيه.. فرددتُ: ماحدش يقدر يشيل ضريح.

40814254_692335394498354_8048528366334115840_n

سيدي الأربعين

تركتها، وأنا أعرف هذه المرة الضريح الأخير الذي أريد الوصول إليه، وهو ضريح سيدي الأربعين، أو سيدي محمد المغازي، والذي يعد من أشهر أضرحة عابدين، إذ يقع في شارع حسن الأكبر، أمام سور القصر. كانت هذه المعلومة التي لديّ، والتي لم تكن محددة؛ لأن سور القصر طويل جداً، ولأن شارع حسن الأكبر كذلك. مشيتُ، لأخرج من شارع الشيخ ريحان، الذي كان مُجهِداً للغاية. تهتُ قليلاً. إذ دخلت من الشارع الذي به قسم عابدين، لكنني في النهاية استطعت الوصول لشارع حسن الأكبر.

لا أعرف لم نويت في البداية أن أسأل أي أحد عن ضريح حسن الأكبر، الشقيق الأكبر لسيدي أحمد البدوي، رغم علمي أنه مدفون داخل قصر عابدين، ربما لأنني أعوّل هنا على المعلومات التي لدى الناس.

دخلت أول محل صادفته، والذي لم أركز فيه، إذ شدني الرجل الذي يجلس أمامه، والذي كان يقرأ إحدى الصحف، ويرتدي قميصاً وبنطلوناً، وعلى وجهه تستقر نظارة طبية، وابتسامة بشوشة. اتكأت بذراعي الأيمن على طاولة المحل، ودخلت مباشرة في الموضوع. قهقه، وقال: ياه.. نادر جداً لمّا ألاقي حد يعرف ضريح حسن الأكبر.

– اسمك إيه يا حاج

– حاج إيه بقا.. اكتبي الأستاذ كمال عبد الفتاح.. أنا كنت مدير إحدى المدارس في فترة

وراح يعطيني درساً في التاريخ؛ أن الخديوي إسماعيل أمر ببناء قصر عابدين فور توليه الحكم عام 1863، وأن اسم القصر يرجع لعابدين بك أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا، والذي كان يمتلك قصراً صغيراً، اشتراه إسماعيل، وهدمه، وضم إليه أراضي شاسعة، والتي كانت بها بالمصادفة ضريحان، هما ضريح سيدي بدران، وضريح حسن الأكبر، فأصدر فرماناً بعدم الاقتراب منهما، لأنه يعلم أن الأضرحة شيء كبير عند المصريين، وجزء من ثقافتهم الدينية والشعبية، فقام بضمهما للقصر. كما أمر بالتزامن بتخطيط القاهرة على النمط الأوروبي.

ابتسمت، وسألته عن ضريح سيدي الأربعين. صمت قليلاً. وأشار إلى بناية. وقال إن بجوارها ضريح. لا يعرف إن كان هو أم لا. لكنه قال إن قبل هذه البناية بشارعين يوجد ضريح اسمه أبو الشوارب.

قررتُ أن أذهب إلى أبو الشوارب أولاً، لكنني وجدتهُ محض مسجد، وهو مسجل كأثر، وأنشأه محمد شريف باشا عام 1860.

ندمتُ قليلاً أنني سمعت كلامه. لكنني سامحته حين وجدتُ أن وصفه لضريح سيدي الأربعين كان صحيحاً.

الضريح، أو بالأحرى المقام، منفصلاً بذاته. هو أشبه ببيت. لا لا. هو بيت. له باب خشبي مطلي بالأخضر، وشباك محاط بسياج حديدي مطلي أيضاً بالأخضر، وقبة، أما واجهته فكانت غريبة بعض الشيء، إذ كانت مطلية بشكل مخطط باللونين الأصفر والنبيتي.

لا أذكر بالضبط إن كان باب المقام مفتوحاً، أم أنني طرقته. لكنني أذكر جيداً ملامح الرجل الذي ارتبك حين رآني، كما لو أنني جئت في وقت غير مناسب. سادت بيننا ثوان من الصمت. وحين دققتُ ورائه، وجدتُ كنبتين، ففهمت أنه يقيم بالداخل.

أخبرته أنني جئت لأجل سيدي الأربعين. لأجل أن أعرفه. قال بلعثمة إن الورقة التي بها معلومات عنه ليست معه الآن.

لم أكن أعرف ماذا بإمكاني أن أفعل. شعرت أنه يطردني. وهو ما جعلني أعطيه معلومات زائدة عني، وعما أفعله، كي يطمئن. فبسط كفه اليمنى، لأدخل.

طبعاً دُهشت. رغم أنهاليست المرة الأولى التي أرى فيها أحداً يسكن داخل ضريح. ربما دُهشت من التفاصيل الكثيرة الموجودة؛ الشيشة، والمروحة، والتلفزيون، وخزانة الملابس، والساعة المُعطلة، والصور المُعلقة على الجدران، والتي كانت عبارة عن بورتريهات لأشخاص، خمنت أنهم من أقاربه.

سمحت لنفسي أن أتجول، فوجدتني أدخل إلى المطبخ، والحمام. وحين رفعتُ رأسي رأيت غرفتين بالأعلى. تعجبت. ولاحظ الرجل هذا. فأخبرني أن الغرفتين كانتا مخصصتين للنساء لينمن فيها.

– يعني أهلك كانوا عايشين هنا؟

– أيوا.. والدي اتولد هنا.. والمقام دا مِلك، وليس وَقف، بدليل إن جدي أبو والدي مدفون هو كمان هنا

اسمه سيد حسين محمد حسن. وحسب كلامه. هو من نسل الشيخ محمد إبراهيم فخر الدين المغازي الذي أتى من المغرب ليتلقى العلم على يد العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، وكان تلميذه الأربعين، لذا سُمي بسيدي الأربعين.

– طيب أنت مش متجوز.. مش عندك ولاد؟

– كنت متجوز.. وولادي كل واحد منهم راح في مكان.. وأنا حاليا بشتغل سواق تاكسي

يعتقد أن سيدي الأربعين، جرده من كل شيء، كي يجعله يقيم بجواره، فهو ليس له بيت غير هذا، ولم يتبق من عائلته سوى أمه، التي تأتي من حين لآخر، لتجلس معه. يعتقد أيضاً أن بينه وبين سيدي الأربعين رابطاً روحياً، فهو يزوره كثيراً في المنام، ويرى نوراً يشع من مقامه، ويتمنى لو يطلب منه أن يدفن بجواره، كما طلب من جده!

كنتُ أسمعه، ولا أقاطعه، إذ كان في حالة من النشوة. يتحدث بصوت منخفض، ويصمت بين العبارة والأخرى، كما لو أن أحداً يملي عليه ما يقوله.

سألته عن سبب رفضه للحديث معي في البداية، قال إنه كان يحاول أن يطفشني، لكن جاءت له إشارة بأن يتحدث. وقال أيضاً إنه ارتاح إليّ.

TEK_5892

الإعلانات

نُشرت بواسطة

إسراء النمر

صحفية مصرية من مواليد القاهرة (يوليو 1991)، درستُ الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة (2008 - 2012). التحقتُ بمؤسسة أخبار اليوم في أكتوبر 2010، والآن أعمل لدى جريدة أخبار الأدب.

رأيان حول “أضرحة وسط البلد.. تحت القبة شيخ حزين”

  1. موضوع مهم جدا …… صحيح انه تم التطرق اليه في موضوعات تخص التصوف …….. لكن ان الاوان لكشف المزيد من الحقائق حول الظاهرة من جوانبها المختلفه .. الاضرحه في كل مكان وتملا الاركان خاصة في القري ……. لو قمت بجوله في اي قريه سوف تدهشين بوجود اكثر من ضريح …….. واتوقع بعد جوله لك في مدن وقري مصر كتابة مجلد كبير عن عجائب الاضرحه

    إعجاب

  2. بالصدفة من كام سنة وانا رايح الشغل عرفت من زميل لي في الأزهر بأنه تم نقل مكان ضريح سيدي اليعقوبي أثناء ترميم المسجد والذي قامت به الأوقاف وجعله في مؤخرة المسجد وأنهم قاموا بهذا ليلا : خدم الضريح مستعينين بأحد الطيبين الذي تطوع بنقل الجثامين الطاهرة والتي كانت بحالتها .
    تقريبا تم ركن الضريح خلف المسجد . وأنا أحكي الأمر في محيط أسرتي مستاء قالت قريبة لي إنهم لأسبوعين ظلوا يشمون رائحة المسك على نطاق الشارع كله حتى لفت ذلك انتباه المارين . عملية نقل مكان الضريح ليست سهلة ولا تتم الا بالاعتماد على سلطة ما تمثلت في مستشار كبير كان من المرشحين للوزارة في عهد الدكتور مرسي .
    الرجل الطيب الذي نقل الجثامين الطاهرة الثلاث لسيدي اليعقوبي أكد لي أنها كانت كما هي رغم مرور قرون على الدفن وشملت اليعقوبي رضي الله عنه وابنه وزوجته التي لم يتحلل حتى شعر رأسها . سألته من قام بنقلهم قال : انا ، فقلت له إن في هذا جرأة غير محمود فالأولياء ينقلون بإذن ولا ينقلهم إلا من هو أهل لذلك فارتبك وغيرت الحديث سريعًا بعد أن وصلته إشارتي وكان قد تم فصل المستشار المذكور بعد على خلفية 30 يونيو واعتصام رابعة .
    ( تحقيق ممتاز ليس غريبا على شاعرة بموهبة إسراء النمر .. وإلى مزيد من النجاح )

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s