يوسف شاهين.. الحدوتة لم تنته بعد

حسناً، دعونا نبدأ من شيء تم تداوله مؤخراً على الفيسبوك، لأن الكتابة عن يوسف شاهين مثل الكتابة عن الحياة؛ صعبة، ومُحيرة. أنت أمام شخص أسطوري. شخص لن يتكرر ثانية. شخص يُشبه الصحراء في اتساعها، ويُشبه الأفق في لا نهائيته. شخص قرر أن يظل موجوداً. أن يظل يرقص، ويغني، ويصوّر. هذا الشيء هو فيديو يتحدث فيه جو، ليسمح لي أن أقول له جو، عن الحضارة، حيث أراد شخص أيرلندي، أظن أنه صحفي، أن يعرف منه إحساسه لكونه من العالم الثالث. وبطريقته المعهودة، زعق فيه جو بلطف، وبخفة، وبجدية، في آن، قائلاً والسيجارة تتدلى من فمه: يا إلهي.. لقد كُنا هنا منذ سبعة آلاف سنة.. أنت الذي من العالم الثالث!

هو ليس كالذين لا يفعلون شيئاً سوى التغني بالماضي، هو يعي ويدرك قيمة بلاده، وتاريخها، وربما لأجل ذلك لم يفكر يوماً في الهجرة، رغم أنه درس التمثيل وفنون المسرح والدراما في أمريكا وهو في بدايات شبابه. إنه يؤمن بالسفر، برؤية عوالم جديدة، وبشر مختلفين. يؤمن بالانفتاح على الآخر. يؤمن بالذهاب، لكنه في نفس الوقت يؤمن بالعودة. فعلى الرغم من المقولة التي يرددها البعض: سافر فأنت لست شجرة، إلا الإنسان مثل الشجرة فعلاً، يظل جذره ممتداً في الأرض الذي نبت فيها. وهذه كانت قناعته التي ظهرت جلياً في غالبية أفلامه، فأبطاله أو شخصياته إما يتطلعون للسفر، أو يحلمون برؤية البحر. مثل عمر الشريف في (صراع في الميناء) الذي كان يتهيأ دائماً للسفر، ومثل عزت العلايلي في (الاختيار) الذي لعب دور البحار. السفر بالنسبة له طريقة لمعرفة الذات، إذ يرى أنه وسط الغرباء فقط يستطيع المرء أن يعرف نفسه، ويفهمها جيداً.

وكان يطلق على هذه الشخصيات اسم الشخصية البحرية، وكان يعرفها بأنها الشخصية التي تكتسب من البحر صفاته، وطباعه، فهي شخصية منفتحة، متقلبة، هادئة أحياناً، ثائرة كثيراً، وعاصفة إذا تطلب الأمر، وهذه كانت شخصيته، فهو ابن البحر، ابن إسكندرية، التي ولد فيها عام 1926 -لعائلة كاثوليكية لبنانية- والتي كانت حينها مدينة كوزموبوليتانية، أو مجتمعاً للخواجات، كما كان يُطلق عليها، ويبدو أن جو تأثر بها دون أن يشعر، للحد الذي جعل وجهه مع مرور الوقت يكتسب ملامح أجنبية، وجعل فنه كوزموبوليتانياً، إذ كان يأخذ من هنا (الثقافة المصرية) وهناك (السينما الغربية)، حيث اهتم بالرقص والموسيقى والغناء، وعرف كيف يوظفهم جيداً داخل السياق الدرامي للفيلم، كما اهتم بالصورة، أو الكادر السينمائي، الذي كان يسيطر فيه على حركة الممثلين بداخله، فينتج لوحة فنية بامتياز.

ولعل هذا ما جعل شركة انتاج (مبارزيم) تستعين به وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ليخرج فيلمه الأول (بابا أمين) عام 1950، بطولة فاتن حمامة وكمال الشناوي، كنوع من التجديد في دماء السينما المصرية، إذ قالت الشركة في تقديمها للفيلم: “حاولنا في إنتاجنا لهذا الفيلم أن تكون في القصة طرافة (..) وعهدنا بها إلى مخرج شاب درس الفن في مدينة هوليوود وقد التقت أهدافه بأهدافنا في أن نسمو بالفيلم المصري، وإنا لواثقون بأنه سيدعم ثقة المؤمنين بالفيلم المصري وسيكون للمتشائمين نقطة التحول نحو الإيمان بأن السينما المصرية تستطيع أن تقف في معرض الإنتاج العالمي قوية ثابتة رأسها في السماء”. ربما كان الإيمان الشديد به دافعاً لأن يظل حريصاً كل الحرص على أن تكون أفلامه مغايرة، أفلاماً لا يكون هدفها تسلية الجمهور، بل أن تجعل المتفرج يخرج من صالة العرض وفي ذهنه تساؤل عما يريد أن يقوله هذا الرجل (المخرج).

جو نفسه كان يحاول أن يفسر أحياناً بعد أن ينتهي من الفيلم، ما يريد قوله، أو ما يقصده، ولأنني لا أريد أن أخرج بهذه السرعة من الحديث عن الإسكندرية، كان لجو مشهد افتتاحي ظهر فيه في فيلم (إسكندرية كمان وكمان) وهو ينظر فيه من شرفة إلى البحر، وحين سُئل عن سبب هذه النظرة، قال: “احتاج لمشاهدة الفيلم مرة أخرى لأحلل معنى نظرتي”. لقد كانت إذن نظرة عفوية، تُعبر عن إحساسه تجاه المدينة التي ظلت تثير إعجابه، وحزنه، في آن، فهناك أدرك معنى الحياة، ومعنى أن تعيد المُدن بناء نفسها. كما أن هناك تربى، ونشأ، وتعلم العوم، وكاد أن يغرق لمرات عديدة. هناك أيضاً تشاجر، وتمزقت ملابسه، وعمل في الميناء، خلال الحرب العالمية الثانية، وحصل على أول أجر في حياته.

كانت الإسكندرية مؤثرة فيه، كإنسان، وكمخرج، ليس لكونها مدينته، ولكن لكونها نموذجاً مُصغراً لبلده، ولكل البلاد العربية. جو لم يكن متفائلاً في السنوات الأخيرة من عمره بما نمر به من فقر وبطالة وقهر، إذ كان يرى الخطر قادماً،وربما عبر عنه في أخر أفلامه (هي فوضى)، والذي تناول فيه التعذيب في السجون، وبطش رجال الأمن، وثورة الناس في النهاية، واقتحامهم للأقسام، كما لو أنه كان يتنبأ بما سنتعرض له في عام 2011، وما بعده. جو كان يؤمن بالتعددية في الأفكار والأحلام والنظم، وكان ضد الأبوية بكل أشكالها. كما كان يُقدس الإبداع لأقصى حد. ومرة قال: “هناك فئة ترفض التنوير وترفض مخاطبة العقول، وتريد من المبدعين أن يكمموا أفواههم، ويريدون من أمثالي تقديم الأعمال الهابطة”.

نعود إلى الفيديو الذي تحدثنا عنه في البداية، كان يوسف شاهين يرى أن العالم لا يجب أن يُقسم هكذا، وأن علينا فهم ما تعنيه الحضارة. الحضارة هي أن تعرف كيف تتواصل مع الآخرين. تعرف كيف تحب. كيف تهتم. يضيف: “في مصر، إذا ذهبت إلى رجل فقير، لا يملك شيئاً، سوف يأخذ من جاره قطعة خبز ليعطيها لك، أما في أوروبا ربما يُغمى عليك كجثة في الشارع، وتجد الناس يسيرون إلى جوارك، كأنهم لا يرون شيئاً”. هكذا كانت ثقافته، وفكره. هكذا كان ينحاز للمهمشين والضعفاء والذين ينشدون الحرية. هكذا كان يرى العالم والفن والحضارة من وجهة نظر يسارية. جو حدوتة حقيقية، وعلى الرغم من مرور عشر سنوات على رحيله، إلا أن الحدوتة لم تنته بعد، ولن تنتهي أبداً.

الإعلانات