جمال القصاص: السبعينيات آخر جيل شعري

BeautyPlus_20180621115545002_save.jpg

في طريقه إلى مكتبه بالمهندسين، كان يمر جمال القصاص على بائعة جرجير تُدعى فوزية. كانت بائعة كأي بائعة، وكان هو كأي عابر، يلقي عليها نظرة لا تخلو من لامبالاة، ولأن هذا كان يحدث بشكل يومي، تراكمت لديه النظرات، حتى صارت تزاحمه، وتشكل سؤالاً كبيراً: ما الذي يجعل ابتسامة هذه المرأة مُشعة، ما الذي يجعل وجهها مُشرقاً كما لو أنها تنتظر حبيباً، أو حلماً، سيغدو للتو حقيقة؟

لجمال القصاص -بالطبع- عينان، لكنهما عينان تخصان شاعراً وصحفياً معاً. عينٌ منهما تريد أن تظل متأملة.. ومتألمة، والأخرى تريد أن تعري كل ما يصادفها من أشخاص وأماكن وقطط.

لم يفكر الشاعر الذي بداخله -مرة- في الحديث إليها. الشاعر الذي بداخله لا يبحث عن إجابة، الشاعر الذي بداخله ما هو -أساساً- إلا جسد متناثر على شكل سؤال.

الصحفي الذي بداخله أيضاً لم يفكر في ذلك إلا حين اضطر لأن يعد “فيتشر”، كي يملأوا به بياضاً مُباغتاً.

يبتسم جمال وهو يحكي: “لا أعرف لِمَ خطرت على بالى هذه المرأة. ربما لأنها كانت قريبة مني، وربما لأنني ارتبطت بها من فرط رؤيتها. لا أعرف صراحة”.

بدا كلامها له في البداية عادياً، إنها تبدأ عملها في السادسة صباحاً، وتحرص على أن تكون بضاعتها طازجة. يتذكر: “كانت فرشتها تتحوّل إلى كرنفال شهي من الألوان الحية”.

في لحظة الكتابة، التي لا يستطيع فيها أن ينحي الشاعر جانباً، اكتشف جمال القصاص أن صراع هذه المرأة الأساسي مع اللون الأخضر، إذ تقضي وقتها كُله في رش الجرجير بالماء، حتى لا تصفر وريقاته.

كان صراعه هو أيضاً – في ظني – مع اللون الأخضر؛ أخضر قلبه، وأخضر القصيدة.

إنه لم يسمح لقلبه -طوال سنوات عمره التي تزحف نحو السبعين- بأن يضمر، في حين ترك للوهن الفرصة كاملة لأن يتسلل إلى بقية أعضائه، حتى أصبح محض جذر شائخ يبحث عن شيء يسند الظهر. وبالنسبة لقصيدته فعكف على مدها بصور شعرية مجنونة، ومُدهشة، مثل: “لصمتك رائحة الخبز” و “أنت نعناع صوتي”.

أما أخضر الحياة، فكان الأخضر الذي كلما بهت، أخذ جمال من أخضر قلبه وأخضر القصيدة، كي يعيد له بريقه.

هكذا ظل يحاوط الأخضر، كما تحاوط أم طفلها، وكما تحاوط ذراع خصراً تشتهيه.

لكن هل ثمة أخضر في الموت؟

قبل سنوات، اشترى جمال القصاص -وهو الذي لم يعتد لأن يمتلك شيئاً- مقبرة. ولأنه لا يجد راحته في أي مكان، ولأنه يعيش وحيداً، صار يتردد عليها، لكي يستمد منها الطمأنينة، ولكي يجد فيها من يحادثه!

هو لا يريد الموت، هو يريد حياة داخل الموت. أو يريد -كما قال في ديوانه الأحدث (جدار أزرق)- أن يرووا عنه أنه أحب بشجاعة.. مات بشجاعة، وكان ثمرة لم ينضج رحيقها في عطش الفم.

في هذا الحوار نقترب من جمال القصاص بالقدر الذي يقترب فيه من جسده، ومن الشعر.

متابعة قراءة جمال القصاص: السبعينيات آخر جيل شعري

الإعلانات