فاطمة قنديل: فرحتي بالشعر لا تدوم طويلاً

01
حقوق الصورة محفوظة للمصورة منى عبد الكريم

لم أكن أعرف إلى أي مدى كانت ستتقبل الشاعرة فاطمة قنديل فكرة أن أزورها في البيت. لم أكن أعرف كيف أفتح معها كلاماً. هل أقول لها هكذا بدون مقدمات أنني أريد أن أرى هذا البيت الذي له بابان، ثم أصمت، كما لو أني أنتظر حكماً عليّ بالبلاهة. لم أكن أعرف أيضاً بم سأجيب عليها إن سألتني عن السبب. هل أبرر قائلة إنني أريد أن أتأكد إن كان الباب الخارجي لا ينغلق بإحكام، وإن كان الباب الداخلي هشاً وجميلاً. وإنني أريد أن أطمئن على أن العشب البري لا يزال ينمو في حديقتها. لكنني لم أجرؤ. لم أجرؤ لأن المسافة التي بيننا أكثر من المسافة التي بين البابين.

وحين هاتفتها، لنحدد ميعاداً ومكاناً للقاء، حاولت أن أنسى ما أرغب فيه، وتركتها تختار ما يناسبها. قالت بصوت مبحوح: مبدئياً لن نلتقي قبل الخامسة مساءً، لأنني أصحو متأخرة. فوافقت. وقبل أن تضيف شيئاً بخصوص المكان. أخبرتها أننا نحبُ أن نصورها صوراً تُشبهها. فردت مسرعة: ليس هناك إذن سوى أن تأتي إلى بيتي.. فيه أكون على طبيعتي. ابتسمت. ظللتُ مبتسمة نحو عشر دقائق. وقلت لنفسي: سوف أطمئن أيضاً على الصحراء التي تحيط بالبيت، وعلى الوحدة التي تسكنه. الوحدة التي لا تشيخ، والتي لا تشعر بالحرج كلما بكت أمام أحدهم.

في الطريق إليها، انتبهت إلى أنني لم آخذ معي شيئاً، لكن ماذا بإمكاني أن آخذ لشاعرة مثلها تحيا في ليل دائم؟ فتذكرت فروغ فرخزاد وهي تقول “أيها الرفيق/ إن كنت تقصد بيتي/ فاحمل لي معك مصباحاً/ ونافذة/ كي أرى صخب الشارع السعيد”. وتمنيت لو أن المجاز يصير رحيماً ولو مرة واحدة. حين توقفنا أمام البيت، لم نكن متأكدين بالضبط أنه هو. رغم أنه يحمل الرقم الذي أخبرتنا به. لكن شيئاً ما فيه يربكك. ربما بابه الخارجي الذي وجدناه ينفتح ببطء. إذ كان حارس الحديقة في انتظارنا. بينما حارسة النهار لا تزال في الداخل، تحاول أن تفيق.

كل شيء كما وصفته؛ البابان والحديقة والممر الحجري، عدا القطط، التي لم ترد ذكرها في نص (بطاقة هوية). لم يحدث يوماً أصلاً أننا وجدنا أحداً يكتب في بطاقته أن له كلباً، أو قطة. خرجت فاطمة قنديل على سهو. خرجت بذراعين مفتوحتين، وبضحكة رائقة. وحين وجدتنا مبتهجين بالقطط. وقفت معنا تحدثنا عن شقاوتهم. ثم اصطحبتنا إلى الداخل. إلى عزلتها الدافئة.

بمجرد أن تتجاوز عتبة البيت، تشعر أنك انفصلت عن الزمن. حيث الإضاءة البُنية الخافتة، والأثاث الفلكلوري البسيط. رحنا نتجول في الصالة الواسعة لنتعرف على فاطمة أكثر. ثلاثة أشياء كانوا لافتين للانتباه. الكمان المُعلق على الحائط المواجه للباب، والمنضدة الصغيرة التي رصت عليها الكتب التي بإمكان أي أحد أن يسرق منها، والصور المُعلقة بعشوائية منظمة، التي كانت غالبيتها صوراً شخصية بالأبيض والأسود، أما الباقية فتحمل وجوهاً نعرفها، مثل: سعاد حسني، وصلاح عبد الصبور، وفرجينا وولف.

بعد أن انتهينا من حصر التفاصيل، جلستُ أنا ومُنى عبد الكريم على الكنبة، بينما أحضرت فاطمة قنديل علبة سجائرها، وكوباً من القهوة الغامقة، ثم غاصت في كرسيها المفضل، قائلة لنا بمرح: “ها.. ما الذي تريدونه مني؟”. متابعة قراءة فاطمة قنديل: فرحتي بالشعر لا تدوم طويلاً