أحمد دحبور.. الولد الذى ظل ولداً

احمد دحبور.jpg

قبل النكبة بسنتين في أحد آحاد شهر إبريل ولد الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور في وادي النسناس بمدينة حيفا. وأحمد ليس اسمه الذي خصته به عائلته، إنما اسم أخيه الذي مات محترقاً داخل بيتهم القديم بوادي صليب. لم يشف وراثته للاسم حزن أمه، بل كان يزيد من لوعتها خصوصاً كلما ردده أحدٌ على مسامعها، إلى الحد الذي جعلها تنصرف عنه ولا تهتم به، لأنها رأت أنه ليس من العدالة أبداً أن تساوى قطعة اللحم هذه بأحمد الأول. هذا التعلق لم يكن مفهوماً فيما بعد لأحمد الثاني، ولم يكن مفهوماً أيضاً لوالده، الذي حكي له أنها كانت تتردد على المقبرة كثيراً، لتحاول عبثاً أن تستعيد ابنها من التراب. هل هو الفقد؟ لا إنها النيران التي ظلت مشتعلة في قلبها ولم يستطع شيء إخمادها، لا عود اللوز الأخضر الذي يتمايل أمامها، ولا الجنين الذي نبت فجأة في رحمها، إلى أن حدث ما هو الأبشع، الأبشع على الإطلاق.

متابعة قراءة أحمد دحبور.. الولد الذى ظل ولداً

الإعلانات

غياث المدهون: أمام القتل تنهار كل المجازات

فوتوغرافيا كاتو لين
فوتوغرافيا: كاتو لين

ليس بإمكاني أن أذكر اليوم الذي قرأتُ فيه لـغياث المدهون، ولا كيف وصلت قصائده إليّ، لكن بإمكاني أن أذكر الشعور الذي انتابني حينها؛  أحسستُ فجأة وبلا مقدمات أنني خائفة من العالم. العالم الوقح، الذي أتخيله دائماً بأنه رجل دميم يجلس أمام التلفزيون واضعاً ساقاً على أخرى، ليتفرج على ما يحدث في سوريا وهو يهز رأسه ويضحك. العالم الذي حوّل حياتنا إلى فيلم رعب، وجعل مفاهيمنا تتغير للأشياء، كأن نرى الكتب مقابر للقصائد، والبيوت خيام أسمنتية، والكلاب ذئاب ارتضت الذل، كأن يجعلنا نعبر عن حبنا قائلين: “أنا أغرقُ فيك كما يغرقُ السوريون في البحار”. يقول غياث في نصه: “يا إلهي/ أنظري إلى أين أوصلتنا الحرب/ حتى في أسوأ كوابيسي لم يخطر لي/ أنني في يوم من الأيام/ سأقولُ في قصيدة/ أغرقُ فيك كما يغرقُ السوريون في البحار”.

لم يخطر لي أيضاً أن أحداً سيقول هذا، أو يقول “مبتسماً كأن الحرب لم تأكل أخي”، هكذا، كأن التعاطي مع الحرب أمر واجب خصوصاً على القادمين من بلاد الشام، فغالبية قصائد غياث المدهون لا تخلو من الحديث عن الحرب إلى الحد الذي يجعلك تشعر فيه أن ثمة لغم قد ينفجر فيك، وأن ثمة دبابة قد تدهسك لو ظللت تحدق في أشلاء القتلى. إنه الفلسطيني الموزع على عدة مجازر.. الفلسطيني العنيف حسب الكليشيهات والصور النمطية، السوري الذي لا يستطيع الحضور لأنه مشغولٌ بالحرب الباردة التي يخوضها يومياً مع العزلة، السويدي الذي يتمتع بالرفاهية في بلدٍ يحوي سبعاً وتسعين ألفاً وخمسمائة بحيرة من الماء العذب!

إنه كل ذلك وأكثر، إنه “الغريب الذي فقد يده في الحرب، الأرمل الذي لم تمت زوجَته، المهاجر الذي لم يغرق في المتوسط”، والأهم إنه الشاعر الذي يتحدث عن الموت وكأنه يتحدث عن الأمل، الشاعر الذي -يا لحظه السيئ- لم يربح جائزة اليانصيب الكبرى ولم يُمنح جائزة نوبل للآداب! لذا لم يكن مقبولاً -بالنسبة لي- أن أفوت فرصة وجوده في القاهرة ولا التقى به كي نتحدث عن أشياء كثيرة، من بينها الشعر بالتأكيد!

متابعة قراءة غياث المدهون: أمام القتل تنهار كل المجازات