سرابيط الخادم: لغز مقتل آخر يهودى فى مصر

15975227_10153996565442003_4154509003830217239_o

قبل أن أقرأ رواية‮ “‬سرابيط الخادم‮” ‬الصادرة عن دار الآفاق العربية للكاتبة ثناء رستم،‮ ‬كنتُ‮ ‬متوجسة بعض الشيء،‮ ‬لأنها تتناول وضع اليهود في مصر من ثلاثينيات القرن الماضي إلى أن وصل عددهم في وقتنا الحالي إلى سبع نساء ورجال‮ ‬يتوزعون بين القاهرة والإسكندرية،‮ ‬بل حمل اسم الرواية منطقة شديدة الأهمية لدى اليهود،‮ ‬رغم أن هذه المنطقة تضم فقط عدداً‮ ‬من التماثيل المتناثرة المنحوتة من الحجر الرملي ومعبد حتحور الفرعوني،‮ ‬وذلك لاعتقادهم أنها كانت واحدة من النقاط الثابتة في رحلة خروج موسي بقومه،‮ ‬حيث تقع منطقة سرابيط الخادم في جنوب شرق مدينة‮ (‬أبو زنيمة) بسيناء،‮ ‬أرض الفيروز التي تحلم إسرائيل بها،‮ ‬والتي لا تفوت أي عمل إبداعي‮ ‬يتحدث عن اليهود حتى تثير حوله جدلاً‮ ‬بأنه‮ ‬يثبت‮ ‬أحقيتها في أراضينا،‮ ‬لكن الكاتبة كانت تعي ما تفعله جيداً‮ ‬في الرواية التي كشفت لنا حقارة المنظمات الصهيونية‮.‬

تحكي الرواية عن اليهودي الأخير في مصر وهو‮ ‬يوسف سليم النقاش،‮ ‬مدرس اللغة الفرنسية،‮ ‬الذي رفض اعتناق الإسلام مثلما فعل أخوه داود وهو الأمر الذي لجأت إليه كثير من العائلات اليهودية التي رفضت الهجرة إلى إسرائيل،إذ جاء على لسان داود‮: “‬اخترتُ‮ ‬أن أنفض عن جسدي نظرات صامتة تلقي عليّ‮ ‬باتهامات تمزق روحي‮. ‬نسي كثيرون أنني مصري تماماً،‮ ‬وحاسبوني على جرائم بيجن وطموح جولدا مائير‮”‬،‮ ‬واختار‮ ‬يوسف اعتزال الناس والبقاء في بلده لأنه رأي أن هذا الكيان نتاج لمقامرات رجال المال وتحالفهم المدني مع الساسة ورجال الدين،‮ ‬وأن قيام إسرائيل‮ ‬يعني‮ “‬فناء اليهود وتجمعهم في جيتو كبير‮”‬،‮ ‬كما رأي أن ما عاني منه اليهود في بعض دول العالم سوف‮ ‬يمارسونه هُم علي الفلسطينيين،‮ ‬لكنه في الوقت نفسه كرس حياته للدفاع عن اليهود كجزء من خلق الله،وكان هذا السبب الرئيسي وراء تصفيته‮!‬

يبدأ الفصل الأول‮ (‬المعبد‮) ‬بمقتل‮ ‬يوسف‮ -‬الذي كان‮ ‬يقيم وحده في دار المسنين المُلحقة بالمعبد اليهودي‮ “‬فيتالي ماجارا‮” ‬بمصر الجديدة‮- ‬على‮ ‬يد أحد رجال المافيا الإيطالية،‮ ‬ورغم أن وفاته بدت للوهلة الأولي طبيعية لرجال الشرطة،‮ ‬إلا أن ضابط الأمن الوطني‮ (‬مروان‮) ‬شك في الأمر وبدأ تحرياته بتفتيش‮ ‬غرفة‮ ‬يوسف،‮ ‬الذي وجد فيها لوحة‮ -‬رسمها له الفنان التشكيلي صلاح طاهر‮- ‬مدفون فيها مجموعة من الخرائط التي خلت من تحديد مدن أو أماكن بعينها وكل ما كان‮ ‬يوجد عليها علامات ودوائر ورسم لنجمة داود،‮ ‬ليدرك أنه أمام لغز كبير وغامض،‮ ‬هذا اللغز لم تفكه الكاتبة بسهولة،‮ ‬بل جعلت الضابط‮ ‬ينتقل عبر الفصول السبعة عشر من خيط لآخر ومن شخصية لأخري،‮ ‬بل أجبرته على القراءة ليفهم وليفهمنا معه تاريخ اليهود،‮ ‬حيث جاءت الرواية محتشدة بمعلومات كثيرة كادت أن تحولها إلى كتاب تاريخي لولا مهارة الكاتبة التي وضعت شخصيتين رئيسيتين نقلت من خلالهما ما تريد قوله،‮ ‬وهما شوكت عالم التاريخ الإسلامي‮ (‬خال مروان‮) ‬ومايا المتخصصة في الآثار الإسلامية‮ (‬حفيدة داود‮).‬

تعد مايا من الشخصيات المحورية في‮ “‬سرابيط الخادم‮” ‬والتي سنكتشف في نهاية الرواية أنها تعمل لحساب المافيا التي قتلت‮ ‬يوسف لأنه رفض أن‮ ‬يعطيهم الخرائط التي رسمها حين كان شاباً‮ ‬بتشجيع من المنظمة اليهودية‮ “‬وها‮- ‬بويل ميزراخي‮”. ‬هذه الخرائط توضح خط هجرات اليهود المتتالية،‮ ‬حيث استغلت المنظمة حماسه وتدينه الشديد،‮ ‬فأولته مهمة دفن‮ (‬المخطوطات اليهودية المزيفة،‮ ‬وآيات التوراة المحفورة على جلود الغزلان،‮ ‬وأبواق الصلاة المصنوعة من قرون الحيوان‮) ‬في البلاد العربية،‮ ‬حتى‮ ‬يتم اكتشافها بعد مئات السنين لتكون إثباتاً‮ ‬على الوجود‮ ‬ينتج عنه حق في تلك البلاد‮. ‬كما قتلت المافيا‮ (‬سالم‮)‬،‮ ‬المتزوج من امرأة إيطالية تدعي كلارا،‮ ‬ابنة أحد كبار رجال الأعمال في إيطاليا،‮ ‬والذي عَرف أن والدها على علاقة بمنظمات صهيونية تحقق أهدافاً‮ ‬دنيئة في مصر‮.‬

كان دور مايا هو أن تؤكد لجدها داود وللضابط مروان أن وفاة كل من‮ ‬يوسف وسالم ليست طبيعية،‮ ‬وذلك من خلال إقناعهما بالرؤي الغريبة التي اكتسبتها من الليلة التي قضتها مع والدتها في‮ ‬غرفة الشفاء بمعبد موسي بن ميمون،‮ ‬إذ اعتادت أن‮ ‬يزورها الأشخاص الذين تعرفهم‮ -‬حتى لو معرفة سطحية كما الحال مع سالم‮- ‬في الحلم قبل رحيلهم،‮ ‬ورغم أن هذه الأحلام قد تبدو طبيعية،‮ ‬إلا أنها كانت الحيلة التي استغلتها مايا كي تصل إلى المستندات التي أخفاها سالم،‮ ‬وذلك من خلال اقتحامها لعائلته بدعوي التعاطف والتعاون معهم في معرفة السر وراء كتابة سالم لثلاثة نصوص‮ ‬غريبة في دفتره الشخصي،‮ ‬وهي‮:‬

“‬من فوق البيما،‮ ‬انظر أمامك،‮ ‬لتكتشف صخرة المعجزة التي تشهد علي وجود ابن الماء راكعاً،‮ ‬وتنير بحروف الذهب دعوته من أجل نجاة المستضعفين،‮ ‬طالباً‮ ‬العون من الله،‮ ‬وستجد البشري في‮ ‬29‮-‬9‮-‬40‮”.‬

و”لما حلقت الملائكة فوق الأرض المسحورة،‮ ‬نشرت أجنحتها النورانية،‮ ‬لتحتضن بين طياتها سيدة النور،‮ ‬ليشع ضوؤها ويبدد الظلام من فوق قمة الجبل،‮ ‬ليتسلل نورها الشاهق إلي الضفير،‮ ‬في آخره‮ ‬يسطع الضوء لينير‮ ‬7‮ ‬من الجواهر المقدسة‮”.‬

و”احترق الخداوندكار بنار الحرب،‮ ‬دار حتي سكنه الذهول والحزن،‮ ‬ليسقط من فوق كتفيه المعطف الأسود،‮ ‬ليرتديه السلطان الذي خلع ثوبه الذهبي،‮ ‬وتسلل كالثعبان ليرفع دعائم قاعته مستعيناً‮ ‬بالسجاد،‮ ‬والتقي،‮ ‬والنقي،‮ ‬علي حطام الأرامل والفقراء،‮ ‬ويريهم أبواب الجنة الذي‮ ‬يبدأ طريقهاب3‮ ‬تحت ظل ال12‮ ‬لتدخل من8‮”.‬

استطاعت مايا تفسير ما‮ ‬يقصده سالم من هذه النصوص،‮ ‬والتي أوصلتها هي وأخو سالم‮ (‬عمر النواوي الصحفي الذي كان منشغلاً‮ ‬بالمصادفة بقضية‮ ‬يوسف اليهودي والذي أحب مايا وأحبته وتزوجا في النهاية مما‮ ‬يثير احتمالات لدي القارئ أنه قد‮ ‬يلقي نفس مصير سالم‮) ‬ومروان إلى ثلاثة أماكن مختلفة الطابع الديني،‮ ‬والتي أخفي فيها سالم المستندات التي تدين والد زوجته كلارا وتكشف جرائمه،‮ ‬وهم وفق ترتيب النصوص‮: ‬معبد بن عزرا الذي‮ ‬يقع في منطقة مجمع الأديان بحي مصر القديمة،‮ ‬ودير السيدة العذراء الذي‮ ‬يقع في منطقة أخميم بمحافظة سوهاج،‮ ‬وتكية المولوية التي تقع خلف جامعي السلطان حسن والرفاعي في حي الدرب الأحمر‮.‬

لم‮ ‬يكن‮ (‬يوسف وداود ومروان ومايا وسالم وعمر النواوي‮) ‬الشخصيات الأهم في الرواية،‮ ‬بل كانت هناك شخصيات أخري‮ ‬يمثلون العالم الخفي الذي‮ ‬يعمل لصالح المنظمات الصهيونية والمافيا الإيطالية‮ ‬،مثل عوض الساحر الذي‮ ‬يملك محل أنتيكات ورثه عن أبيه،‮ ‬ويغطي به على أعماله‮ ‬غير المشروعة في تجارة الآثار مع صديقه جمال القواد،‮ ‬الذي أصابه العجز الجنسي في فترة المراهقة مما دفعه إلى العمل في تجارة الجنس واصطياد فتيات فقيرات‮ ‬يلقيهن في أحضان رجال‮ ‬يبحثون عن متع مُفعمة بالألم‮. ‬كان عوض وجمال خائفان من تحقيق الشرطة في موت اليهودي الأخير لأن هذا‮ ‬يعني استدعاء أفراد عائلته،‮ ‬من بينهم اليهودية‮ (‬أديرا‮) ‬ابنة شقيق‮ ‬يوسف والمُقيمة في لندن والتي تتعاون مع المافيا والمنظمات الصهيونية،‮ ‬والتي طالما طلبت من عمها تسليم الخرائط لهم،‮ ‬إذ كانت على علاقة مباشرة بهما،‮ ‬ما‮ ‬يعني جر رجلهما،‮ ‬وربما الكشف عن جرائمهما الأخري‮.‬

كانت داليا ابنة عوض من أكثر الشخصيات المؤثرة في الرواية،‮ ‬رغم أنها ليست على علاقة بما‮ ‬يحدث،‮ ‬كل ما في الأمر أنها نشأت في بيئة مشوهة أصابتها باضطراب في الهوية الجنسية،‮ ‬فأبوها كما قالت”حولني إلى مسخ مشوه لا حظ له في الدنيا‮” ‬للحد الذي كانت تبصق فيه حين‮ ‬يمر من جانبها،‮ ‬أما أمها شادية،‮ ‬المُخيفة،‮ ‬التي كانت تربي الوطاويط في‮ ‬غرفة خارج فيلتهم أهملتها تماماً،‮ ‬ولم تلحظ هيئتها الرجالية ولم تبادر مرة بالحديث معها في شئونها،‮ ‬لتجد داليا نفسها تدخل في علاقة كاملة مع صديقتها مروة التي خانتها بعد ذلك مع أحد الرجال،‮ ‬ما أصاب داليا بانهيار تام دفعها إلى الانتحار بقطع شرايينها،‮ ‬لتكتب بنفسها نهاية هذه العائلة المريبة،‮ ‬إذ قامت شادية بغرس خنجر في رقبة عوض انتقاماً‮ ‬منها لما فعله مع ابنته،‮ ‬فألقت الشرطة القبض عليها هي وزوجة عوض الثانية‮ (‬سوسو‮).‬

يبدو أن ثناء رستم تعمدت أن تثير تعاطفنا مع‮ ‬غالبية شخصياتها التي وضعت لها عوالم‮ ‬غرائبية استمدتها من أساطير وحكايات حقيقية،‮ ‬ويبدو أنها تعمدت أيضاً‮ ‬أن تثير بجانب القضية الرئيسية لروايتها قضايا مختلفة مثل السحر والمثلية الجنسية وتجارة الآثار وتجارة الجنس واحتكار الفنانات،‮ ‬وذلك من خلال معلومات دقيقة،‮ ‬أتت بها من التاريخ والواقع معاً‮.. “‬سرابيط الخادم‮” ‬رواية لا تتحدث فقط عن استغلال المنظمات الصهيونية لليهود في مصر،‮ ‬بل تتحدث عن مجتمع بأكمله‮.‬

نُشر في أخبار الأدب مارس 2017

الإعلانات