قاسم حداد: الحرية كانت هناك.. في السجن!

617929-513x770
الشاعر البحريني قاسم حداد

لا أعرف لماذا قاسم حداد بالتحديد‮!‬
ففي يناير الماضي وجدتني أنجذب له بشكل لا إرادي؛ أبحث عن دواوينه‮.. ‬أعيد قراءة ما قرأته له‮.. ‬وأحفظ نصوصه التي لا يحفظها،‮ ‬وكان أول ما حفظته هو نص‮ (‬الوطن أيضاً‮ ‬موسيقي): في الموسيقي التي تتجول في‮ ‬غرف بيتنا الصغير‮/ ‬والتي تتسلق الجدران والنوافذ ورفوف الكتب‮/ ‬الموسيقي التي تتناول معنا العشاء والحب‮/ ‬وتقرأ الشعر‮/ ‬في الموسيقي المنسربة تحت الحفتنا‮/ ‬والسابحة في حليب أطفالنا‮/ ‬والتي ننام ونصحو وهي ساهرة تحرس أيامنا‮/ ‬في هذه الموسيقي انتظريني‮.‬
وانتظرت أن يأتي قاسم حداد إلي القاهرة‮.. ‬ولا‮ ‬أعرف لماذا أنتظره‮!‬
ربما أردت فقط أن أري الشاعر الذي تعب من نفسه ومع نفسه‮. ‬الشاعر الذي لا‮ ‬يثق في ما‮ ‬يكتب‮.. ‬والذي‮ ‬يسمي ما‮ ‬ينجزه‮: ‬التمرين الأخير علي موتٍ‮ ‬في حياة لا تحتمل‮. ‬الشاعر الذي بالرغم من مظهره الذي‮ ‬يوحي بالرزانة إلا أنه عابث من الدرجة الأولي‮. ‬الشاعر المسكون بفقد الأشياء التي‮ ‬يحب‮.. ‬المشحون بالتناقضات،‮ ‬فهو‮ ‬يتظاهر مثلاً‮ ‬بالصلابة في حين أنه إنسان هش‮.. ‬هش جداً‮. ‬
كان كل هذا مثيراً‮ ‬لي،‮ ‬وكان مثيراً‮ ‬لي أيضاً‮ – ‬بل مفاجئاً‮ – ‬أن‮ ‬يقرر قاسم حداد في مطلع فبراير السفر ويأتي من البحرين إلي القاهرة،‮ ‬في زيارة استمرت أربعة أيام‮.‬
كنت أعرف أن قاسم حداد‮ ‬يشعر هنا بالخطر،‮ ‬ليس لأن القاهرة مكاناً‮ ‬مخيفاً،‮ ‬إنما لأنه خارج بيته،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعله لا‮ ‬يحتمل السفر،‮ ‬فما إن‮ ‬يدركه الليل بعيداَ‮ ‬عن عائلته حتي تنتابه حالة الذعر الغامض،‮ ‬فيتصرف مثل وحش جريح ومحاصر‮. ‬ورغم ذلك ذهبت إلي الفندق الذي أقام فيه وأنا مطمئنة‮.. ‬ذهبت لألتقي الشاعر الذي لا‮ ‬يطمئن‮.‬ متابعة قراءة قاسم حداد: الحرية كانت هناك.. في السجن!

الإعلانات

“الإله يقدم استقالته” ممنوعة من الطبع!

20150930-nawalalsaadawi-051medium_large-1482790685
نوال السعداوي

منذ عشر سنوات تقريباً، في أيام مثل هذه، كان الحاج مدبولي على أتم الاستعداد لأن يعرض لرواد معرض الكتاب مسرحية “الإله يُقدم استقالته في اجتماع القمة” لنوال السعداوى، لكن أحدهم، وأحدهم هذا قد يكون من أمن الدولة، قال له إن المسرحية فيها تعدي على الذات الإلهية والأنبياء، وفي حال طرحها قد يتم اتهامهما، هو ونوال، بازدراء الأديان، فما كان أمام مدبولي سوى أن يسد عليه أي باب يأتي منه زوار الفجر، وحرق الثلاث آلاف نسخة التي طبعها من المسرحية، لكن نوال حينها لم تسد عليها أي باب، وواجهت الناس والدولة والفتاوى وجماعات التكفير، وظلت متمسكة بما كتبته، بل كانت من حين لآخر تفتح في وجهها باب جديد.

هذه المرة، لم تفتح نوال الباب بمفردها، على العكس لم تكن تخطط لذلك، ربما لأن الناشرين ابتعدوا عنها ولم يطلب أحد منها أن يُعيد طبع المسرحية، لكن أحمد سعيد صاحب دار الربيع العربي كان يخطط لهذا منذ أن بدأ التعاون معها في 2012، حين كتبت له مقدمة المتتالية القصصية الذي نشرها لطارق مصطفى، وهي (الشوارع الجانبية للميدان)، إذ رأى أنها من أفضل الأعمال التي يجب أن تكون موجودة، خصوصاً أنها تتماشي مع سياسة الدار في كسر التابوهات ومناقشة القضايا المسكوت عنها، وقرر – بعد موافقتها – أن يطبع المسرحية لتكون ضمن إصداراته الجديدة في المعرض، لكن هذا لم يحدث.

لقد رفض أصحاب المطابع طبع المسرحية – ومعها رواية (سقوط الإمام) لنوال أيضاً والتي كان من المقرر أن تكون موجودة هي الأخرى في المعرض – وذلك لأنهم رأوا أن في طباعتها معصية لله، كما قالوا للناشر: “لن ندخل جيوبنا أموال حرام”. واحد منهم فقط حاول أن يتفاوض مع أحمد سعيد حتى يستطيع الطبع، إذ اقترح عليه أن يصير العنوان “يُقدم استقالته في اجتماع القمة”. وهو ما وجده أحمد سعيد مخرجاً جيداً لحل الأزمة، لكن نوال السعداوي رفضت، فهي لا تقبل بتغيير أو حذف أي كلمة في أعمالها، ولن تقبل بعد كل هذه السنوات من حظر النشر أن يُعدل عنوان المسرحية، حتى لا تُتهم بالخوف، وهو أشد بالنسبة لها من اتهامهما بالكفر.

يمكن القول إن هذه المسرحية هي التي حررت نوال من الخوف، حين قامت – قبل الحاج مدبولي – بإحراقها بنفسها، وهو ما تم ذكره في المقدمة الجديدة لـ (الإله يُقدم استقالته في اجتماع القمة)، إذ تحكي أن نوال “كتبتها في ظُلمة الليل بالحبر السري، أو بالحبر الأبيض، الذي لا يُظهر الحروف، فما فعلته جريمة في نظر الدين والدولة، وهي تجسيد الله، ومن شدة رعبها كوَّمت أوراق المسرحية في صفيحة، وأضرمت فيها النار”، بعد هذه الواقعة، كتبت نوال رواية من وحي المسرحية المحروقة وهي (سقوط الإمام)، التي لم تجسد فيها الله، ولم تظهره إلا من وراء ستار.

حدث هذا بعد عام 1992.. بعد أن أصدرت الحكومة أمراً بحماية الذين وردت أسماؤهم في قائمة الموتى، وكان من بينهم نوال، ما جعلها تسأل نفسها: “ما الذي سيحدث أكثر من دخولي قائمة الموتى؟ لماذا لا أكتبُ المسرحية مرة ثانية وليكن الموت إذن؟” وظل الأمر عالقاً في ذهنها، يطاردها، وتطارده أيضاً. إلى أن جاء يوم الرابع من أكتوبر 1996، حين دُعيت فيه إلى منزل الدكتور بروس لورانس رئيس القسم الديني في جامعة ديوك الأمريكية، وزوج الدكتورة ميريام كوك التي اقترحت عليها العمل معهما في الجامعة. كانت الدعوة تشمل العشاء مع مشاهدة مسرحية يمثلها مجموعة من الطلبة والطالبات استوحوها من أعمالها التي درسوها على يد بروس لورانس. قبل بداية المسرحية قال طالب يقوم بدور الراوي، “إن تجسيد الله على المسرح كان مستحيلًا، ليس خوفاً من دخول النار، وإنما هو عجز الخيال البشري عن تصوره”.

لم تقتنع نوال السعداوي بذلك، فحين “عادت إلى شقتها الصغيرة في شارع دوجلاس بمدينة ديرهام بولاية نورث كارولينا. كانت الساعة الحادية عشر ليلًا. ارتدت قميص النوم إلا أن النوم لم يأت. أشياء تدور في رأسها مثل خلية نحل. شخصيات في مسرحيتها القديمة تُبعث من الموت. يدبون بأرجلهم على الخشبة، تسمع الدبيب في رأسها. أخذت حمَّاماً ساخناً لتطردهم لكن دون جدوى. لم يكن أمامها إلا أن تنهض. أمسكت القلم وأخرجتهم من رأسها إلى الورق. وحين رفعت رأسها من فوق الورق كانت الساعة الواحدة ظهر اليوم التالي 5 أكتوبر 1996، أي إنها قضت ثلاث عشرة ساعة في كتابة المسرحية”.

لم تتطرق المقدمة الجديدة من قريب أو بعيد لمصير المسرحية بعد أن كتبتها وحتى أن أحرقها الحاج مدبولي عام 2006؛ هل أخفتها؟ أم أنها – كما قالت من قبل – أعطتها في العام الذي كتبتها فيه إلى مدبولي، وإن صح ذلك، لماذا لم يطبعها إلا بعد عشر سنوات، هل كان يخشى مما بداخلها؟ يقول أحمد سعيد: “لا أعتقد أن مدبولي كان يخشى من نشر أي كتاب، هو اضطر إلى حرقها خوفاً على مصالحه وأمواله ومكتبته، بالنسبة لي، لقد قرأت المسرحية، وليست لديّ مشكلة مع مضمونها كما أنني ليس لديّ الكثير لأخشى عليه، وقلت هذا لنوال، وللناشرين الذين امتعضوا من قراري، حتى حين أخبرت أحد المسئولين في معرض الكتاب بأن المسرحية ستكون ضمن إصداراتي الجديدة، لم يعترض، لكنه أخلى مسئوليته من توابع ما يمكن أن يحدث. على أي حال، سأحاول طباعتها بعد انتهاء المعرض، وإن لم أجد مطبعة هنا، سأطبعها خارج مصر”.

نشر في أخبار الأدب فبراير 2017