رفعت سلام: ويتمان أنقذني من الاكتئاب

11219216_10153103187683199_1973561364644971694_n.jpg
رفعت سلام

على صفحته الشخصية على الفيسبوك، كتب الشاعر العراقي صلاح فائق إنه لو كان رئيس وزراء مصر لأعلن اليوم عطلة رسمية. كان يقصد يوم الأحد 4 ديسمبر، الذي نظمت فيه مؤسسة الأهرام – بمبادرة من الشاعر محمد حربي – حفلاً للشاعر رفعت سلام بمناسبة ترجمته للأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الأمريكي والت ويتمان (أوراق العشب). لم يكن يعرف صلاح فائق أن الحاضرين لهذا الحدث الذي وصفه بالتاريخي لن يتجاوز عددهم العشرين، وأن الهيئة العامة للكتاب لم تطبع العمل حتى الآن، رغم أنه تم تسليمه جاهزاً للطبع. اللوم هنا ليس على الدولة والكُتّاب والقراء والصحفيين، إنما على صلاح فائق الذي كان متفائلاً أكثر من اللازم!

لكن رفعت سلام، لم يتوقف عند ذلك، على العكس كان شاكراً للمنظمين وللذين آتوا ولويتمان الذي قضي معه أربع سنوات، هي المدة التي أنجز فيها الترجمة.

فيما يلي سرد لما قاله رفعت سلام في الحفل الصغير.

منذ التسعينيات، وأنا أفكر في ترجمة والت ويتمان، بعد أن وقعت في يدي طبعة لأوراق العشب، وبالفعل قمت بالاستعداد، إذ لديّ عادة قبل البدء في الترجمة، وهي عمل نسخة مكبرة من العمل، لكنني لسبب لا أعرفه، لم أبدأ، وظلت النسخة معي. وفي يوم، كنت أسير في شارع النبي دانيال، وبطرف عيني، لمحت الطبعة الكاملة من أوراق العشب، فقمت بشرائها. مرت السنيين، والخوف يتملكني من الإقدام على هذه التجربة، وبشكل لا شعوري، تأجلت، ما شجعني هو أنني قطعت شوطاً كبيراً في مشروعات كبيرة ومهمة، مثل ترجمتي للأعمال الشعرية الكاملة لشارل بودلير وقسطنطين كفافيس وآرثر رامبو، إذ صار لديّ فكرة عن كيفية السيطرة على أعمال شاعر كبير بحجم ويتمان، لأن الأمر ليس ترجمة نصوص شعرية فقط، إنما عثرات تقابلك في الطريق، كأن تكتشف أن الطبعة التي معك ليست كاملة، وهذا ما حدث معي في البداية. الآن لم يعد هناك هذه المشكلة، صار أرشيف ويتمان متاحاً بالكامل على الانترنت، بدءاً من صوره إلي كتاباته بما فيها التسع طبعات المختلفة لأوراق العشب.

متابعة قراءة رفعت سلام: ويتمان أنقذني من الاكتئاب

سينما الكلوب.. محاولة لكسر العزلة

مسرح الكلوب.JPG
ساحة الكلوب

للوهلة الأولى قد لا تلتفت إليها. وإن لمحتها من وراء البوابة الحديدية، التي أحكمت عزلتها، لن يخطر علي بالك أنك أمام أقدم سينما صامتة في القاهرة. فلا توجد لوحة تعلن هويتها، ولا أحد من السكان أو المارة المترددين عليها يعرف عنها شيئاً. كما أن هيئتها من الخارج، توحي بأنها مسرح، حتى هذا الأمر قد يثير شكوكك، لأن الفندق المواجه لها يبتعد عنها بمسافة ثلاثة أمتار تقريباً. هذا الفندق كانت ملحقة به في بدايات القرن العشرين، ولا يمكن تاريخياً فصلهما عن بعض.

قبل أن أدخل إلى ساحة السينما، التي تقع في نهاية شارع خان جعفر، المتفرع من شارع المشهد الحسيني، اقتربت من المحال الموجودة هناك، لا لأتحقق من معرفتهم بالسينما من عدمه، لكن لأرصد الوضع الذي صار عليه الخان، والذي أثر بالطبع علي كل شيء حوله. فكان قديماً سوقا تجاريا متنوعا، تُعقد فيه الصفقات بين كبار التجار. الآن تحول إلى سوق للأحجار الكريمة. به أشهر الوكالات، وهي وكالة الحرمين، التي تدهور حالها، إذ أصبحت تُعرف بين الأهالى بوكالة الشطة، بعد أن استقر بها منذ سنوات عدد من تجار العطارة.

لا يعرف كثير من أصحاب المحال سوي اسم السينما؛ الكلوب. صاحب مطعم الفول الملاصق لها قال إن الوحيد المُلم بالمعلومات هو غريب مرجان، أحد مُلاك فندق الكلوب. ذهبت له مباشرة، ولم أستطع أن أحدد هل هو واقف أمام الفندق، أم السينما؟ لكنه أوضح شيئا كان ملتبساً علي: “كلاهما كان شيئاً واحداً، حيث كانت السينما – الموجودة في الدور الأرضي – خدمة تابعة للفندق، الذي تغير اسمه إلى (الصفا والمروة)، وقد شهد هذا المكان بدايات الفن الأولي، حيث عرضت فيه الأفلام الصامتة، وأخرج مسرحه عدد من الفنانين”.

IMG_0462.JPG

متابعة قراءة سينما الكلوب.. محاولة لكسر العزلة

النوبة.. ذاكرة تقاوم المحو

slide0021_image053.jpg

لم يكن الأمر محيراً. أن أكتب عن النوبيين، يعني أن أبدأ من عند حمزة علاء الدين (1929- 2006)، ليس لأنه الصوت الذي بقي، وسيبقي، إنما لأجل وجهه، فمن يحدق في ملامح حمزة يلمس الشتات الذي رافقه طيلة عمره، ومن لم يفعل، سيلمس ذلك من أغنياته، التي حرص أن تكون غالبيتها باللغة العربية، والقليل منها باللغة النوبية، كي يعرف المصريون معاناتهم بعد التهجير، لكن لسبب ما، نعرفه جميعاً، ظل حمزة علي الهامش، ولم يحظ بشهرة كبيرة في هذا البلد، أما العالم، فقد أنصت إليه وهو يشدو “ماليش عنوان”، ويعني بالعنوان هنا البيت والوطن معاً، فحمزة مثل كل النوبيين، غرقت قريته، وهاجر مع عائلته بعد بناء السد العالي عام 1960، تاركاً وراءه طفولته وثقافته ورفات أجداده، ليبدأ حياة بلا هوية، يسافر من بلد لآخر، ليغني عن النوبة التي يحلم بعودتها، وليس بالعودة إليها، إذ صار حمزة في وقت قصير فنانا ذائع الصيت في أمريكا، يؤلف ويغني ويُدرّس الموسيقي، خصوصاً الموسيقي العرقية، فقبل أن يرحل إلي هناك، ذهب حمزة إلي النوبة وفي يده العود، متنقلاً بين القرى الباقية وهو يمتطي حماراً، ليجمع من الناس الأغاني النوبية القديمة، كي ينقذها من الغرق والضياع.

في إحدي أغنياته يقول: “لو جيت في يوم أرسمك/ أرسم أمل بسّام.. أرسم حضارة ومدن وأبراج حمام ويمام”. هذه هي الصورة التي ظلت في ذاكرة حمزة عن النوبة، والتي حلمت بها الأجيال التي لم تر النوبة القديمة، فلا يوجد أقسي من أن يعرف المرء أن تاريخه يتم محوه ببساطة، حينها تتضاءل المشاريع الكبيرة في عينيه وتصير لا شيء ، وهو ما أدركه جمال عبد الناصر جيداً حين أمضي مع النوبيين خمس ساعات كاملة بعد وضعه حجر أساس السد، أن ما يحدث لهم ليس بالأمر الهين ولن ينسوه أبداً، إذ قال لهم: “أرجو أن يشعر كل فرد فيكم أننا نعامل أبناء هذه الأمة معاملة واحدة مبنية علي الحق والحرية والمساواة”، هل اقتنع النوبيون حينها؟ ربما، ففي ذلك الوقت صورت الدولة للنوبيين أن تهجيرهم سيخرجهم من الظلام إلي النور، ومن الجهل إلي العلم، ومن التخلف إلي التحضر. إحدى الصحف الحكومية – مثلاً – خرجت بمانشيت (بعد السد العالي.. الفتاة النوبية ستدخل الجامعة لأول مرة). وهو الوتر الذي لعبوا عليه دائماً، أن في كل مرة سيتنازل فيها النوبي عن أرضه سيحصد في المقابل حقاً من حقوقه، وكأنه ليس مواطناً مصرياً! الآن، لم تعد هذه النغمة تدخل علي النوبيين، فخلال هذه الأعوام الطويلة التي تُقدر بنصف قرن، أدركوا أنهم تحولوا من أصحاب حضارة عريقة إلي أقلية، فمن خلال الرجوع إلي التاريخ نعرف لماذا يصر النوبيون علي مطالبتهم بالعودة إلي أراضيهم.

متابعة قراءة النوبة.. ذاكرة تقاوم المحو