حريم القرن الحادى والعشرين

مخيم برج البراجنة بيروت.jpg
تصوير: مي عبد الساتر – مخيم برج البراجنة – لبنان

أعرفُ أن لا مجال هنا لاستعادة ذكريات شخصية، لكن بما إنني أنثى مورس عليها أشكال من القهر والعنصرية، وفرض عليها الكثير من العادات والقوانين التي لا تمت إلى الإنسانية بشيء، فلا بأس إذن من كسر القاعدة. بإمكاني القول أنني أحسب على حريم القرن الحادي والعشرين طالما لا يزال يتم التحكم بأجسادنا. بإمكاني القول أيضاً أنني منذ الطفولة، وأنا أدرك أنني أحمل عبئاً إضافياً وأنني سأخوض حروباً كثيرة. أدركتُ ذلك في حصص الجغرافيا، حين قررت المُعلمة استبدال خارطة العالم بأجسادنا، فكانت تحوّل حديثها -دائماً- عن الأوطان إلى مواطن الشهوة فينا، وعن الحدود التي فرضها علينا المستعمر إلى الحدود التي يجب ألا نتجاوزها.

لازلت أذكر صديقتي التي أقبلت يوماً بعد موعد حصة الجغرافيا. كانت ترتدي اليونيفورم الخاص بغير المحجبات؛ جوب لا تكشف عن الركبة، وقميص نصف كُم. وكان باب الفصل وقتها مفتوحاً. وقفت البنت دون أن تنطق بكلمة، وحين لمحتها المُعلمة نظرت إليها بحدة، لم تسألها عن سبب تأخرها، إنما عن مجيئها بهذه الخصلات التي أسدلتها على كتفيها. ابتسمت البنت، وسألتها بمرح: “هل أحلق رأسي يا أبلة؟!”، فضج الفصل بالضحك، ما جعل المُعلمة تخرج وهي مشتعلة من الغضب. وبعد دقائق، أتت وفي يديها قماشة طويلة، وأمسكت رأس البنت، وغلفته، كما لو أنها تغلف علبة حلوى. وهددتها بالعقاب إذا حضرت الحصة مرة آخرى بلا حجاب، وكان لنا جميعاً نفس التهديد.

لم تؤثر هذه الواقعة على حياة البنت وحدها، بل وعلى حياتي أنا أيضاً، إذ استوعبتُ أن كل ما سأرتديه في أى مكان سوف يخضع لأحكام القوة المسيطرة عليه، حتى لو كان هذا المكان بلدا آخر، ما جعلني أضع نفسي محل المرأة التي أجبرتها الشرطة الفرنسية -في أحد الأيام العشرة الأخيرة من أغسطس- على خلع البوركيني، وذلك بعد صدور حكم قضائي بحظر ارتداءه في شواطئ أربع مدن، ربما لم أكن سأخضع لطلب الشرطة بخلع ملابسي وكنتُ سأختار أن انجر إلى السجن طالما تمسكت بهيئتي هذه من البداية، لكنني في الوقت نفسه لا ألومُها على تصرفها، فحسب وكالات الأنباء التي تحدثت معها، قالت إن من حولها ظلوا يصرخون ويصفقون وطلبوا منها العودة إلى وطنها.

متابعة قراءة حريم القرن الحادى والعشرين

الإعلانات