المنتحرون.. سادة المحو

لوحة الانتحار للفنان الفرنسي إدوارد مانيه
لوحة الانتحار للفنان الفرنسي إدوارد مانيه

لا تزال تلك الليلة الصيفية عالقة في ذهني. كنت حينها في العاشرة من عمري، أنصت إلى شجار جارتنا مع ابنها. الشاب العشريني، ذي الوجه الهائم، والابتسامة الساحرة. كان اسمه يسري. وكانت أمه – التي لا أذكر اسمها ولا أريد – تتحكم في كل خطوة له؛ متى يخرج، وماذا يأكل، ومن يُحب. في تلك الليلة أرادت أن تزيد من قيودها عليه قيداً. ظلت تقسم أنه لن يدخن إلا على جثتها. لم يجادلها كثيراً. لكنه هددها إن أخذت منه علبة السجائر، لن تراه ثانية، فأخذتها. هدأ صوت الاثنين. وبعد نصف ساعة تقريباً سمعنا نحيبها. كان يسري مُلتفا أمامها في بطانية لم تستطع إنقاذ جسده من النار التي أضرمها فيه.

انتحر يسري. ردد الناس. وعرفتُ وقتها أن من حق المرء أن يختار الطريقة التي يريد أن يخرج بها من العالم. لكنني لم أعرف لماذا يسبه الناس. قالوا إنه ضعيف وتافه وعاص لربه. قلل الجميع من معاناته. ربما لأنهم لم يدركوا أن البقاء في حياة مسلوبة منك هو الانتحار بعينه. الآن أراهم منتحرين، ويسري الوحيد الحي بينهم. هو وغيره من الذين أرادوا الغياب. فكل 40 ثانية ينتحر إنسان في مكان ما في العالم. وذلك وفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية التي قالت “كُثر هم الذين يحاولون الانتحار يوميا”. هذا يعني أن الحياة صارت عبئاً على الناس، ورغم ذلك يتظاهرون بالقوة والفضيلة، ويعلنون عن مقتهم للمنتحرين. وحدهم الكُتّاب الذين أنصفوا المنتحرين، سواء بكلماتهم عنهم، أو بالانضمام إلى صفوفهم.

لذا كلما سمعت عن انتحار شخص أعرفه، أو لا أعرفه، أتلو أحد النصوص، خصوصاً نصوص الشاعر اللبناني وديع سعادة الذي وضع المنتحرين في مكانة يتمنى كل منّا الوصول إليها، إذ قال عنهم “المنتحرون قدّيسونا.. سادة المحو.. سادة الخواء”. وذلك في ديوانه (غبار)، الذي خصص فيه مساحة للحديث عنهم، كأنهم إخوته. فهم بالنسبة له مقتحمو الحواجز والمخاوف والمحرمات. الذين تركوا المقاعد وثرثرات الوعود، وذهبوا إلى صمتهم. الذين لم يملكوا حياة، فملكوا موتاً. الذين يضعون شيئاً في العدم حين يتدلون من الحبل، فيملأون المسافة الفارغة بين السقف والبلاط. يرى أنه:

“لا ينتحر غير من طفح بالحياة.

من طفحت فيه الحياة فاندلقت.

ولا ينتحر غير من يعلو على الموت.

من يسوده.

المنتحر يهب الموت معنى. ويدحره.

من ينتحر يترك لطختين،

واحدة على وجه الحياة..

وأخرى على وجه الموت.”

متابعة قراءة المنتحرون.. سادة المحو

أمونيوس بن هرمياس وأثره‮ ‬في فلسفة الفارابي

لوحة الفنان الإيطالي رافائيل.jpg
للفنان الإيطالي رافائيل

في تصديره لكتاب‮ “‬مدرسة الإسكندرية المتأخرة وأثرها في التراث الفلسفي الإسلامي‮”‬،‮ ‬للباحث حسين أزهري أستاذ الفلسفة الإسلامية،‮ ‬كتب الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية أن ما تعرضت له المكتبة القديمة من تدمير علي‮ ‬يد الإمبراطور أورليان سنة‮ ‬272م،‮ ‬وإعلان المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي،‮ ‬واضطهاد الوثنيين،‮ ‬وقتل هيباتيا عالمة الرياضيات والفيلسوفة الأفلاطونية وسحلها في شوارع الإسكندرية سنة‮ ‬415م،‮ ‬جعل البعض‮ يعتقد بانتهاء العلم السكندري،‮ ‬إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أنه ظهرت في الإسكندرية مدرسة علمية فلسفية مهمة أسسها أمونيوس بن هرمياس،‮ ‬مع نهاية القرن الخامس الميلادي،‮ ‬أو أواخر العصر الكلاسيكي‮.‬
لذا كانت هناك حاجة إلي إحياء تراث تلك المدرسة،‮ ‬فجاء هذا الكتاب كبداية لسلسلة تضم أربعة أجزاء آخري‮ – ‬قيد الإعداد‮ – ‬لتناول الفلسفة السكندرية بدراسة فلاسفتها،‮ ‬وما واجهوه من اضطهاد سياسي وديني،‮ ‬وبيان تأثيرهم في الفلاسفة المسلمين،‮ ‬وبدأ الدكتور حسين أزهري بالفيلسوف أمونيوس بن هرمياس وأثره في فلسفة الفارابي،‮ ‬حيث استعرض الفصل الأول من الكتاب الذي أنتجه مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية بالتعاون مع مركز دراسات الإسكندرية،‮ ‬اسم وحياة أمونيوس بن هرمياس،‮ ‬إذ‮ ‬يوجد في تاريخ الفلسفة اليونانية ثلاثة فلاسفة أفلاطونيين‮ ‬يحملون نفس الاسم،‮ ‬وهم أمونيوس أستاذ بلوتارخ الذي عاش في القرن الأول الميلادي،‮ ‬وأمونيوس ساكاس أستاذ أفلوطين في القرن الثالث الميلادي،‮ ‬وأخيراً‮ ‬أمونيوس بن هرمياس في القرنين الخامس والسادس الميلاديين‮. ‬
واسم أمونيوس‮ ‬يعني‮ “‬الأموني‮” ‬نسبة إلي الإله آمون كبير الآلهة في مصر القديمة،‮ ‬ويدل علي أنه ولد وثنياً،‮ ‬لأب كان فيلسوفاً‮ ‬أفلاطونياً،‮ ‬وهو هرمياس الذي توفي في طفولته،‮ ‬تقريباً‮ ‬في أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسنيات من القرن الخامس الميلادي،‮ ‬أما أمه فهي إيديسيا حفيدة سوريانوس السكندري،‮ ‬وهي من أصل‮ ‬يوناني،‮ ‬حرصت علي أن‮ ‬يدرس أمونيوس،‮ ‬حينما كان في العشرين من عمره،‮ ‬الفلسفة في أثينا سنة‮ ‬460‮ ‬ ميلادية،‮ ‬ثم عاد إلي الإسكندرية قبل سنة‮ ‬475‮ ‬ ميلادية وقد بلغ‮ ‬من العمر حوالي بضع وثلاثين عاماً،‮ ‬وهو العام الذي تولي فيه أمونيوس مكان أبيه كمعلم للفلسفة في مدرسة الإسكندرية‮.‬
في رئاسته تحولت المدرسة السكندرية من التركيز علي دراسة محاورات أفلاطون مثل المنهج الأثيني إلي شروح أرسطو‮. ‬وكان أمونيوس‮ ‬يحاضر في صباح الجمعة من كل أسبوع،‮ ‬إذ اتبع منهجاً‮ ‬في تعليم الفلسفة‮ ‬يبدأ بفترة سنتين أو ثلاث‮ ‬يقضيها الطالب في دراسة المنطق والأخلاق والطبيعيات والرياضيات والإلهيات الأرسطية،‮ ‬فكان‮ ‬يستغرق شرح كل نص فلسفي خمسين‮ ‬يوماً،‮ ‬وحينما‮ ‬ينتهي الطالب من دراسة هذه النصوص،‮ ‬ينتقل إلي دراسة أفلاطون،‮ ‬التي انقسمت إلي مرحلتين؛ الأولي تبدأ بدراسة عشر محاورات تتعلق بموضوعات الأخلاق والمنطق والطبيعيات والإلهيات،‮ ‬والثانية تشمل دراسة محاورتي‮ “‬طيماوس،‮ ‬وبارمنيدس‮”. ‬كما اتبع أمونيوس نظاماً‮ ‬مع تلاميذه،‮ ‬وهو الحوار والجدال والبراهين فكان الدرس الفلسفي‮ ‬يُقاطع بأسئلة واعتراضات من الطلبة‮.‬ متابعة قراءة أمونيوس بن هرمياس وأثره‮ ‬في فلسفة الفارابي