هُنا الرويعي.. لم يلتهم الحريق الحياة

IMAG1553.jpg

في عهد الخديوي إسماعيل. بالتحديد في عام 1863 نشب حريق كبير في حي الحمزاوي – أنشأه حاتم الحمزاوي أحد أمراء السلطان العثماني سليم الأول – الذي يمر منه شارع الأزهر حالياً. أتي الحريق علي  محال العطارة والأقمشة فيه، بلا استثناء. كانت فاجعة. نكبة مثلما وصفها المؤرخ فتحي حافظ الحديدي في كتابه (التطور العمراني). لم يترك الخديوي حينها التجار يندبون حظهم. لم يرم حتي عليهم اللوم لأنهم تكدسوا بهذا الشكل في الطرقات. لكن أقرضهم ما يكفيهم من المال حتي يتمكنوا من معاودة تجارتهم، ربما لأنه كان يدرك طبيعة الشارع ودوره في خدمة الطبقة الأرستقراطية، إذ كانت تمتلئ المحال بالبضائع الأوروبية، فقد سكن منطقة العتبة علي مدار عقود طويلة عدد من الأجانب، والدليل علي ذلك وجود حارة الأفرنج المتفرعة من شارع الموسكي، الذي كان يخدم وحده مدينة القاهرة الفاطمية. وفي عهد الملك فؤاد جاءت فكرة شق شارع الأزهر لأن موكب الملك تعثر بسبب الزحام أثناء زيارته لمسجد الحسين ومسجد الأزهر. وتم اقتراح توسيع شارع الموسكي مع التطوير، لكن التجار رفضوا، كونه شارع تجارة الجملة الوحيد في مصر، وبالفعل تم إنشاء شارع الأزهر وميدان الحسين وميدان العتبة في سنة واحدة، وهي 1930.

صار ميدان العتبة بعدها مركز التقاء خطوط ترام القاهرة، وتفرع منه عدد كبير من الشوارع الرئيسية؛ شارع الملكة فريدة وشارع عبد العزيز وشارع محمد علي وشارع الأزهر وشارع فاروق (شارع الجيش الآن) وأصبحت تطل عليه مجموعة من المباني المهمة. البوستة العمومية ومبني الضبطية (المطافيء الرئيسية الآن) ومسرح الإزبكية وعمارة ماتاتيا التي كانت خلف دار الأوبرا القديمة، وتم إزالتها عام 1999 لإعادة تطوير ميدان الأوبرا و العتبة. صاحب هذا التطوير ومن قبل التغيرات التي طرأت علي المنطقة بعد منتصف القرن الماضي، هجرة التجار القدامي والسكان الأصليين. ما أدي إلي زحف عدد كبير من سكان المناطق الشعبية والمدن الريفية إلي العتبة. واشتغالهم بالطبع في التجارة. وتحويل العقارات المبنية علي الطراز الأوروبي إلي مخازن لبضاعتهم.

بمرور الأعوام اتخذت كل الحكومات المتعاقبة مقعد المشاهد، دون موقفً من شأنه يعيد تنظيمهم، ويحد من الفوضي. لقد تكدست العتبة بالكامل. ووجد البسطاء ومحدودو الدخل احتياجاتهم من البضائع لدي هؤلاء التجار. لذلك لم يكن سهلاً علي التجار والناس استيعاب الشائعات التي تنطلق من حين لآخر بنقلهم إلي منطقة جديدة. لكن مع حريق الرويعي الذي نشب منذ أسبوعين، تأكدت الشائعات بتصريحات حكومية هذه المرة، وهو ما يؤكد الشكوك التي تلمح إلي خطة التهجير.

علي كل حال التهمت النار بضائع تقدر بالملايين ومخازن ومكاتب وشققا سكنية، والتهمت مع كل ذلك قلوب أصحابها. لكنها لم تستطع التهام الحياة. ظل إيقاع المكان خلال الأيام الماضية كما هو. زحام وفوضي في كل اتجاه. أذهبُ إلي هناك لرصد ماحدث. أذهب كأنني لم أذهب من قبل.

متابعة قراءة هُنا الرويعي.. لم يلتهم الحريق الحياة

من أنجح طرق المقاومة: الكتابة في مواجهة الألم

ما من أحدٍ عاد من الموت ليقول لنا شيئاً؛ هل تألم؟ هل بكي؟ هل أحس بوحشة؟ هل احتفي به الراقدون؟ هل اتخذ منهم صاحباً؟ أم أنه لم يشعر بأي شيء؛ رقد ببساطة علي ظهره، وأغلق عينيه، ونام. لكن هناك من عاد من غيبوبة، من عملية جراحية، من موت محتمل، ليحكي، ويبكي، ويخبرنا عن معركته، التي هزمته، وانتصر عليها بالكتابة، مثلما فعل الشاعر أسامة الدناصوري، والروائية نعمات البحيري، والأديب جمال الغيطاني، بأسبقية الرحيل، وأيضاً كل من الشاعر علاء خالد والناقد الأدبي سيد البحراوي اللذان قررا مواصلة الحياة. هؤلاء استطاعوا أن يتصالحوا مع أجسادهم، ويتحدثوا عنها بلا تحفظ، ربما لأنهم أدركوا من بداية مرضهم أنها لم تعد لهم، وأن ليس ثمة طريقة آخري للمقاومة.

583
أسامة الدناصوري

في كتابه “كلبي الهرِم..كلبي الحبيب” ذكر أسامة الدناصوري (1960- 2007) أن حالته تحسنت بالكتابة، حالته النفسية علي الأقل، فقد مرت عليه ثلاث سنوات لم يكتب فيهم حرفاً، وحين أخبر زوجته سهير في إحدي الليالي الأبريلية عام 2006 أنه سيكتب شيئاً، لم تهتم كثيراّ، ربما لأنه عوّدها هي وأصدقاءه وأقاربه علي أن يحكي لهم آلامه شفهياً، إلي أن خرجت الكتابة دفعة واحدة، وما كان عليه سوي أن يفرّق بين حالات الكتابة التي تأتيه في هذه الأيام، وتلك التي كانت تأتيه حين كان يكتب الشعر؛ “لقد غزوت أرض النثر مرات معدودة من قبل. في كل مرة كنت أتسلل علي وجل واستحياء، وأعود سريعاً، بعد أن أختلس ثمرة صغيرة. الآن، بعد أن تجرأت وتوغلت قليلاً، أوشك علي أن أقول: بائس هو الشاعر الذي لم يعرف النثر أبداً”.

من خلال الكتابة عرف أسامة الدناصوري أن المرض هو الخيط الذي يلضم حياته كلها، منذ مولده، حين اكتشف والداه – وهو عمره 15 يوماً – أن عضوه الصغير ينتهي بغلافتين مما يعيق انسياب البول ويسبب الاحتباس، ليقرر الطبيب أن يجري له الختان سريعاً، لكنه أمضي حياته وصدر شبابه يعاني من احتباس بول في النهار، وتبول لا إرادي في الليل، ما فرض عليه طقوساّ أشبه ما تكون بعبادة سرية، كأن يعتاد كل ليلة أن ينام بعد أن يفرش المشمع تحته، الأمر الذي اكتشفه زميل دراسته محمد قدري الذي كان يسكن معه شقة الإسماعيلية، وجعلهما ينفجران في الضحك، فقد أوقعه التبول اللاإرادي في مواقف محرجة، أبسطها أنه كان يفاجأ دوماً ببقعة صغيرة علي بنطلونه؛ “إنني مدينٌ لهذه المواقف، بل مدين للتبول اللاإرادي ذاته، إنه النار الهادئة التي نضجتُ عليها”.

متابعة قراءة من أنجح طرق المقاومة: الكتابة في مواجهة الألم

الشاعرة السورية وداد نبـي: أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير

12928133_1159435904117707_5642483452080471951_n
وداد نبي

وسط الدمار الذي خلفته قذائف الهاون مؤخراً في حلب، وقف أحد الناجين – بوجه لم يسلم من الموت – مُمسكاً بلافتة مكتوب عليها “حلب جسارةٌ لا تُحكي/ إنما تُقتل.. تُقتل بصمتٍ/ فأعطي قلبكَ للحُب/ وأدخُل بيمينك.. لمدينة الموت الأخضر”، مُدوناً تحت هذا النص اسم كاتبه، وهي الشاعرة السورية وداد نبي (1985)، التي قالت أيضاً في قصيدتها (حلب.. موت أخضر): “حلب.. رئةٌ ثالثة تتسكعُ/ بشوارعها الخراب/ بأزقتها المفروشةِ بالأنقاضِ/ وفوارغِ الرصاص والأحلام/ جسارةُ آلهة/ تتجولُ كمغنٍ بلا صوت/ حول أحيائها المزكومةِ/ برائحة  TNT/ ونفايات الخردة القاتلة”.

عاشت وداد نبي طفولتها وشبابها في حلب، لها ذكريات وضحكات في كل شارع فيها، ومثل كثير من السوريين أجبرتها الحرب علي الرحيل في إبريل عام 2014، تاركة وراءها كل شيء إلا ديوانها (ظهيرة حب.. ظهيرة حرب)، الصادر عن دار كوبيا صيف 2013، والذي وثقت فيه الخراب الذي لحق بها وببلادها، مُتجهة إلي ألمانيا، حيث تقيم الآن في برلين، تتابع من هناك ما يأتيها من صور وفيديوهات عن الحرب؛ “كنتُ ولا أزالُ عاجزة.. عاجزة بمعني الكلمة أمام كل هذا الموت الذي يحصدُ المدينة وسكانها، حيث تتشارك حلب مع مسقط رأسي كوباني بمحبة القلب الأزلية”.

متابعة قراءة الشاعرة السورية وداد نبـي: أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير