المبادرات الفردية.. هل تحل أزمات بيوت القاهرة التاريخية؟

b527fc0f-2967-4de2-9883-1db8b78c2b80.jpg

في عام 1979 وُضعت مدينة القاهرة التاريخية علي قائمة التراث العالمي، ومن وقتها ونحن نتغني بأننا نملك أكبر متحف مفتوح يضم حوالي ستمائة مبني أثري مُسجل تتحمل الدولة مسئولية بقائها وإحيائها من جديد. كل فترة يتم ترميم وتأهيل عدد من هذه المباني، لكن التركيز في كل مرة يكون علي شوارع بعينها، ومبان بعينها، في حين يتم تجاهل مناطق أخري كثيرة، خاصة التي تحوي مباني غير مسجلة. أهملتها الدولة، ربما عن قصد، وربما للعبء الكبير التي تحمله وحدها، الأمر الذي أعطي للناس شرعية التصرف في تلك البيوت التراثية، كبيع المشربيات والزخارف والأبواب العتيقة، أو استغلالها في تحويلها إلي مخازن وأماكن لتربية المواشي، أو هدمها لبناء أبراج شاهقة!

مؤخرا تدخل مستثمرون لإنقاذ تلك البيوت من خلال شرائها وترميمها وإعادة استخدامها، ورغم ذلك تعرقل لهم الدولة طلباتهم ولا تمد لهم يد العون، بجانب دخولهم في صراع لا ينتهي مع المالكين سواء كانوا ورثة أو سكانا قدامي، وبيت ساكنة بيه الكائن في حي الخليفة والقريب من مسجد أحمد بن طولون، خير دليل علي ذلك، فقد اشترته شركة ساهم – المعنية بالتراث – منذ سنوات قليلة، لحمايته من خطر الهدم خاصة أنه كان مهدداً بالإزالة. هذه الشركة لا يملكها رجال أعمال، بل مجموعة من المهمومين بتدهور القاهرة التاريخية، وأحد أعضائها شهيرة محرز، الباحثة المعروفة بعشقها للتراث العربي ودراستها المتعمقة للآثار الإسلامية.

معرفتنا بأن شهيرة محرز ضمن مؤسسي الشركة، خلق بداخلنا رغبة في الحديث معها، لنكشف عن مزيد من المعلومات، حول الشركة نفسها؛ طبيعتها ودورها وكيفية شرائهم لهذه البيوت، وعما يواجهونه من معاناة مع الملاك والدولة. كان اللقاء في بيتها الفريد في منطقة الدقي، والذي تعتبره نموذجاً لبيوت الأعيان التقليدية في مصر القرن التاسع عشر. بيت ذو طابع يمزج بين العناصر الزخرفية لتلك الفترة وبعض الفرش الغربي كتلبية لاحتياجات عصرية. لم تكن شهيرة محرز بمفردها، كان معها أيضاً مجموعة من المهتمين بالآثار، وهم الدكتور علاء الحبشي أستاذ مساعد بقسم العمارة في جامعة المنوفية وأحد المستثمرين، والدكتورة جليلة القاضي أستاذة العمارة في جامعة السربون ومدير الأبحاث بالمعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية، وعبد الحميد صلاح الشريف رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، والذين شاركوا معها في الحديث .

عن شركة ساهم بدأ النقاش. سردت شهيرة محرز أسباب تأسيسهم للشركة، فهم سبعة شركاء، وضعوا ما يمتلكونه من أموال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. تقول: “في البداية بحثنا عن البيوت الأكثر تضرراً وعرضة للإزالة، خصوصاً تلك التي تتميز بطراز معماري فريد، فوجدنا بيت ساكنة الذي يعود إلي القرن التاسع عشر. فقد بناه محمد علي باشا والي مصر عام 1846 علي مساحة تبلغ حوالي 880 مترا، وأهداه إلي ابنه الخديو إسماعيل، الذي أهداه فيما بعد إلي أشهر مُغنية آنذاك، وهي ساكنة. ينتمي البيت إلي الطراز “الرومي العثماني” وهو مزيج بين الطراز العثماني الإسلامي والأوروبي، وقررنا شراءه خوفاً من هدمه”.

وتابعت: “لم تكن عملية البحث عن الورثة سهلة، لأن ساكنة لم يكن لها أبناء، وبعد وفاتها اشتري بيتها رجل له ابنتان، وجعل البيت وقفا لهما. المهم أننا وصلنا إلي الورثة الذين وصل عددهم إلي 35، تعاملنا معهم، وتم تقدير البيت مالياً وفق سعر المتر في المنطقة، وليس وفق قيمته التاريخية، لأنهم كانوا يريدون هدمه في الأساس. لكننا فوجئنا بعد شراء بيت ساكنة عام 2008 بعدد من الناس الذين قالوا إنهم كانوا يقطنون البيت وتركوه بعد زلزال 92، مطالبين بحقهم فيه، ما دفعنا إلي تعويضهم جميعاً ونجحنا في إخراجهم إلا شاغراً واحداً يستخدمه كمخزن لأشياء مهملة عديمة القيمة، ومن حينها ونحن في خلافات قانونية معه”.

لا تملك “ساهم” بيت ساكنة وحده، فقد اشترت الشركة أيضاً  أحد البيوت التراثية في شارع الصليبة في حي الخليفة. هذا البيت ليس له اسم. تستكمل شهيرة محرز، التي أضافت: “يُقال أن مصطفي كامل كان يقطنه لفترة ما، وقد اشتريناه من الورثة الأربعة، ودخلنا في خلاف قانوني أيضاً مع مستأجر من الباطن. كما استأجرنا بيتا ثالثا تملكه الأوقاف في نفس الحي، وهو أقرب في تصميمه إلي شقة، يتم ترميمه الآن”. المشكلة الحقيقية التي تواجه “ساهم”، أنها لا تملك تمويلا كافيا لترميم البيوت الأثرية لإعادة استخدامها في أغراض ثقافية وحضارية، منها: “إنشاء مركز لتثقيف الشباب وتوعيتهم بالتراث المعماري والفولكلوري، أو متحف يعرض مجموعة من مقتنيات نادرة من الفنون الشعبية من ملابس وحلي وفخار من واحات وصحراء مصر، أو مزار لتعريف المصريين علي الخصائص المعمارية للقرن التاسع عشر كي يحافظوا علي تراثهم ويدافعوا عنه”.

ما قالته شهيرة محرز يؤكد أن غرض “ساهم” ثقافي وتراثي، وليس التربح. هم فعلوا ما في وسعهم، وينتظرون من الدولة دورها كأن تعترف بما يقومون به، وتقدم لهم الخدمات المختلفة، أبسطها إزالة أكوام القمامة من هذه البيوت وتحسين شبكة الصرف والمياه. تشير شهيرة محرز إلي أن المشكلة تكمن في عدم اقتناع المسئولين بضرورة إحياء المدن التاريخية بإعادة استخدامها والسكن فيها، مستشهدة بكلمة المعماري الراحل حسن فتحي “القاهرة التاريخية مدينة إنسانية”، فكان الناس قديماً فقراء وأغنياء يقطنون بجوار بعضهما البعض، ومع مرور السنوات هجر أعالي القوم القاهرة التاريخية إلي مناطق جديدة مثل العباسية والحلمية، إلي أن ظهرت العشوائيات، وللأسف لا يزال هذا النمط موجوداً، ما يزيد من الخوف علي التراث والمباني التاريخية.

لذلك يجد الدكتور علاء الحبشي أن القاهرة التاريخية لن يتم إنقاذها إلا إذا عاد الناس إليها. فالسكن نوع آخر من الاستثمار. كاشفاً عن تجربته كمستثمر: “في السنوات الأخيرة سيطرت عليّ رغبة في الحياة بالقاهرة التاريخية، بسبب ولعي بالتراث والترميم، ونجحت في إقناع أسرتي بذلك، وبالفعل اشتريت بيتاً في سوق السلاح في حي الدرب الأحمر عام 2009، اسمه بيت أحمد يكن، ابن أخت محمد علي باشا، مساحته 800 متر، ويتكون من ثلاثة طوابق. اشتريته من 16 وريثا، كان يستغل أحدهم البيت في تربية المواشي. بدأت قصة الكفاح من تلك السنة، فالبيت لم يكن مُسجلاً كأثر، كغيره من البيوت التاريخية، كما أنه آيل للسقوط، فله رخصة هدم، وحين لجأت إلي الحي لاستخراج رخصة ترميم، رفضوا، وقالوا (يُلزم هدمه للأرض وإعادة بنائه)، رغم أنه من المعروف أن البيوت التاريخية الآيلة للسقوط يتم ترميمها وليس هدمها، لجأت بعد ذلك إلي جهات أخري لإثبات قيمة بيت أحمد باشا يكن منها: وزارة الآثار وجهاز التنسيق الحضاري، لكنهم قالوا أيضاً (يجب هدمه)، في آخر المطاف بعثت خطاباً لليونسكو، أوضحت فيه المشكلة وحكاية البيت، واقروا أن البيت ذو قيمة حضارية، ولا يجوز هدمه”.

من خلال اليونسكو استطاع علاء الحبشي الحصول علي رخصة الترميم، لكن المشاكل لم تتوقف، فلا يزال يتكبد عناء ما أصر عليه، وهو إنقاذ بيت تاريخي ليعيش فيه، ويحول جزءاً منه إلي مركز لإحياء المدن التاريخية. يستكمل: “حتي الآن، وبعد ست سنوات من شراء البيت، لم تصل إليّ المرافق من مياه وكهرباء وصرف صحي. وصلت إلي المراحل النهائية من الترميم الذي بدأ أوائل عام 2011، في هذه السنوات، خلال وجودي في الدرب الأحمر، اكتشفت أن هناك بيوتا تاريخية يتم هدمها في صمت، فكانت تمر عليّ يومياً شحنات من (حجر الهدم) الذي استخدمه في الترميم، وصار لديّ عينات كثيرة من البيوت، وفي يوم وجدت من ضمن الهدم المعروض جزءاً من بوابة بيت الشيخ قراعة الموجود في شارع تحت الربع والذي تعرض للهدم، فاحتفظت بها، كي أعيد البوابة مرة أخري إيماناً بأن الذاكرة يجب أن تبقي، فكل بيت في القاهرة التاريخية هو جزء من النسيج الحضاري، وإزالته بمثابة إزالة للتاريخ”.

“قلة هم الذين يفعلون مثل علاء الحبشي؛ يشترون بيتا، ويحرصون علي ترميمه وإحيائه”. تقول الدكتورة جليلة القاضي التي تري أن هناك أزمة كبيرة في الترميم بشكل عام، فلا يوجد متخصصو ترميم  بشكل كافي،   رغم أن التراكم التاريخي من إرسال البعثات للخارج بعد الحملة الفرنسية وإنشاء مدارس للترميم تجعل منّا المُرممين الأوائل، فعلي سبيل المثال قد استعانت الدولة بخبراء فرنسيين لترميم بيت الهواري. لذلك فإن الحديث عن ترميم المباني التاريخية في القاهرة، يجب أن يسبقه كثير من الخطوات، منها إعداد قاعدة بيانات كاملة للبيوت والبنايات ذات القيمة المعمارية والتاريخية سواء المسجلة كأثر وغير المسجلة، مثل التي قمنا بإعدادها لمشروع القاهرة الخديوية عام 2000، كي يتم تحديد الملكية وتوفير المعلومات الكافية لأي مستثمر راغب في الشراء والترميم في نفس الوقت.

وأوضحت جليلة القاضي أن لكل مبني في القاهرة التاريخية عدة قيم قد تكون في أنه أصبح علامة أو رمزاً للسكان، وفي علاقة كل مبني بالآخر كأن يكون لمجموعة من المباني ارتفاع محدد وتصميم محدد، وفي توثيق هذه المباني لفترة زمنية من التاريخ. تكفي القيمة الكبري أن أي مبني جزء من نسيج المدينة القديمة، وفي حالة هدمه تتعرض المدينة للتشويه، وهو ما يحدث بالفعل، فالقاهرة القديمة مثل قطعة القماش لا يجب الاجتزاء منها، خاصة أنها مُدرجة علي قائمة التراث الإنساني. متابعة: “المجتمع المدني والميديا لهما دور في التوعية بكل هذه القيم، بالإضافة إلي إعادة توظيف المباني بعد الترميم، لأننا متأخرون في ذلك عن دول كثيرة، فمن الممكن أن تتحول الوكالات إلي فنادق أو كليات عمارة حتي تتغذي عيون الطلبة علي التراث، وأن تتحول البيوت إلي متاحف أو مطاعم سياحية أو مراكز ثقافية”.

يبدو أن منظمات المجتمع المدني تحمل علي عاتقها – وحدها – مهمة إنقاذ الآثار، مثل المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، التي تم إشهارها في نوفمبر 2013، وفق ما قاله عبد الحميد صلاح الشريف، الذي سرد: ” جاءت فكرة المؤسسة بعض تعرض العديد من المتاحف والمناطق الأثرية بعد ثورة 25 يناير 2011 إلي السرقة، فكُنا حوالي 11 من المهتمين بالتراث، لدينا مجموعة من الأهداف هي دراسة المخاطر التي قد تؤثر علي التراث الثقافي في المتاحف والمباني الأثرية سواء كانت بشرية مثل الاعتداءات أو السرقة أو طبيعية مثل الزلازل والسيول، و إعداد خطة لوقف هذه المخاطر بحيث يتم التدخل السريع لإنقاذ المقتنيات وليس المعمار، والتوثيق السريع لهذه الآثار. وضعنا هذه الأهداف بعد التجربة التي مررنا بها في مارس 2011، حين تم إشاعة أن مخازن أثار الجيزة مُعرضة للسرقة، فتعاونا مع وزارة الآثار التي اختارت المكان البديل الآمن لنقل المقتنيات إليه، ولكي نزيد من مهارتنا التحقنا بكورس تابع لمنظمة الإيكروم لحفظ التراث العالمي، كما تواصلنا مع خبراء من خارج مصر لمعرفة كيفية التعامل مع المقتنيات”.

استطاعت المؤسسة أن تشكل فريقاً في القاهرة، جاهزاً لإنقاذ أي متحف أو مبني تاريخي يتعرض للخطر، لكنها أرادت أن يكون لديها فريق في كل محافظة، فتواصلت مع وزارة الآثار، التي وافقت علي أن تقوم المؤسسة بتدريب الأمناء. يقول عبد الحميد صلاح الشريف: “نجحنا في إنشاء فريق وطني لإنقاذ التراث عبر تدريب 97 عضوا في 11 محافظة و11 متحفا تابعا لوزارة الآثار و4 متاحف تابعة لوزارة الثقافة، ونشر فكرة إنقاذ التراث في أوقات الخطر من خلال تدريب 23 سوريا و17 عراقيا و33 ليبيا، وفي الفترة المقبلة سنقوم بتدريب 21 أفريقيا و15 من ألبانيا والبوسنة. كما قمنا بالتواصل مع وزير الآثار ممدوح الدماطي لإنشاء إدارة عامة للكوارث تكون تابعة للوزارة، بحيث نستطيع العمل معهم من خلالها، وفي فبراير 2015 تم إنشاؤها”.

في خلال هذه السنوات القليلة، شاركت المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث في إنقاذ 76 أثرا من المتحف الإسلامي بعد تعرضه للحريق وإنقاذ ملفات الميكروفيلم في دار الكتب والمخطوطات، كما قاموا بدراسة الخامات التي يجب استخدامها في عملية نقل المقتنيات والترميم، ووجدوا أن جريد النخل يحافظ علي الأثر. ولا ينقصهم سوي قدرتهم علي التدخل لإنقاذ المباني التي تتعرض لانهيارات جزئية، خصوصاً تلك التي تملأ القاهرة التاريخية.

 

نُشر في جريدة أخبار الأدب (مارس 2016)

نُشرت بواسطة

إسراء النمر

صحفية مصرية من مواليد القاهرة (يوليو 1991)، درستُ الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة (2008 - 2012). التحقتُ بمؤسسة أخبار اليوم في أكتوبر 2010، والآن أعمل لدى جريدة أخبار الأدب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s