“شاي باللبن”.. محاولة لاستعادة بيروت

poster chay laban-02.jpg

شاي باللبن. هو اسم الفيلم الوثائقي القصير التي حاولت فيه المخرجة اللبنانية مي عبد الساتر أن تستعيد بيروت. بيروت التي وجدتھا في خبایا عائلتها، وفي صور جدها المھاجر إلى البرازیل، وفي حكايات والدها، وفي مرارة الحرب التي دمرت معھا كل شيء، حتى النفوس الطیبة. لم تكن مهمة البحث عن بيروت – في هذا الفيلم الذي استغرق تنفيذه عامين – سهلة، كانت مغامرة متعبة، تطارد فيها المخرجة الماضي، وتفتش في الذاكرة عما يمنح بيروت حياة جديدة.

يبدأ الفيلم بصوت مي، وهي تسأل والدها إبراهيم عبد الساتر الجالس في مطبخ بيتهم القديم في الضاحية الجنوبية لبيروت: بابا.. هل كان قرار الترك (الرحيل) سهلاً؟، فيجيبها: لا لم يكن سهلاً. ثم تأخذنا إلى عام 2013، بالتحديد في الخامس عشر من أغسطس، حين وقع تفجیر ارھابيّ مروّع في شارع الرویس، شارع سكنها، لتنقلب حياتهم وأحلامهم رأساً على عقب، فيقرروا مغادرة البيت، والتفكير في مغادرة البلد.

14
إبراهيم عبد الساتر بطل الفيلم

قد یعتقد البعض أنه من السھل اختیار فرد من العائلة، بالأخص الأب، للتصوير والحدیث معه حول كل ما يخص بيروت، تقول مي عبد الساتر، التي أضافت: ” كان هذا الخيار من أصعب الأمور بالنسبة لي؛ خلال العامين الماضيين طرأت الكثير من الأحداث والتغيرات على مدينتنا، ووجدت نفسي أبحث عن أحد يحدثني عن بيروت ما قبل الحرب، وبالفعل وجدت شخصاً ما، لكن الظروف لم توفقني معه. حينها دخلت في دوامة البحث عن آخر، ولم أكن انتبه أنه يعيش معي”.

كان اللقاء الأول لبطل الفيلم ببيروت عام 1960، وهو عمره سبع سنوات، حين اصطحبته والدته من مدينة بعلبك إلى مرفأ بيروت، ليستقبل والده العائد من البرازيل، الذي يلتقي به لأول مرة. ھذه الحكاية تشبه مشھداً من فیلم بنت الحارس لفیروز، عندما تأخذ فیروز أختھا الصغیرة للقاء والدھا على المرفأ أيضاً. لذلك اختارت المخرجة المرفأ كرمز للحنين والهجرة واللقاء الأول، هي نفسها حين كانت تصور مشاهد الفيلم كانت تلتقي المرفأ لأول مرة. تحكي: “لمرفأ بیروت قصة، لیست فقط قصة الوالد مع المرفأ فحسب، من خلال الأبحاث التي قمت بھا تبیّن لي أن مدینة بیروت لم تكن لتزدھر وتأخذ مكانتها  لولا مرفأھا”.

اللقاء الأول في المرفأ.jpg
اللقاء الأول في المرفأ

اختيار البيت القديم للتصوير فيه رمزاً للحنين وللوطن وللأمان وللاستقرار، فبعد أن كان الأب يرفض بشدة الحديث عن السفر، غير رأيه بعد تفجير الرويس 2013، ورمي على عائلته يمين الهجرة، فكان هذا التفجير بمثابة صدمة لهم، رغم أن البيت شهد أكثر من انفجار، وقصفته حرب تموز 2006، لكنهم كانوا يعودون إلى شارع الرويس دائماً، ويتحملون كل ذلك لشعورهم بالانتصار على العدو الإسرائيلي، لكن هذه المرة مختلفة، لا شيء يُبشر بالعودة.

تقول مي عبد الساتر: “للبیت أھمیة كبیرة في معاني الفیلم، فهو أحد الشخصيات غير المباشرة، لأنه یمثل الأمان الضائع وذكریات الطفولة، ویذكرنا بحال المُدن التي یھجرھا أھلھا بعد الحرب، ھذا الھدوء الذي یطغى على أرجائه، بعد أن كانت الحوائط تضج بأصواتنا. بیتنا یأتي أیضاً لیكتب قصة جیله من بیوت التسعينات، من خلال تفاصیله، بلاطه، خزائنه، شبابیكه، ورمزیة كل ھذه التفاصیل وارتباطھا بالحرب، فكانت الشبابيك مثلاً تُصنع من طبقتین صلبتین لتتحمل القذائف والمدفعیات”.

مشهد من الفيلم يقارن بين بيروت القديمة وشوارع الإسكندرية.jpg
مشهد من الفيلم يقارن بين بيروت القديمة والإسكندرية

المكان الرئيسي الثالث في الفيلم، كان مدينة الإسكندرية، التي تمثل محطة مهمة في حياة البطل، فقد كانت تجربة سفره الأولى حين كان في العشرين، وعاش هناك أربع سنوات، لم يشعر فيهم أنه في مدينة غريبة، كان يعتبر الإسكندرية بيروت الثانية؛ نفس الروح، نفس الشوارع، نفس البحر الساحر. لذلك تعمدت المخرجة أن تقارن بين صور بيروت القديمة وبين شوارع الأسكندرية الحالية، بالإضافة إلى عرض صور قديمة لأماكن في الإسكندرية لم تعد موجودة الآن، مثل قهوة استيريا، التي كان يتردد عليها البطل كثيراً، وهناك كان يتناول المشروب الأشهر، الشاي باللبن، حتى صارت عادة لم يتخلى عنها بعد عودته إلى بيروت. لذا جاءت تسمیة الفیلم مرتبطة بذاكرة مشروب جمع بين مدینتین في آن واحد.

تضيف مي عبد الساتر: “لقد وجدت روحاً لبيروت التي أبحث عنها في زيارتي الأولى للإسكندریة. وكان ذلك سبباً كافیاً للعودة مرة أخرى لتصوير مشاهد الفيلم، فقد تم تغیير السیناریو، بحيث لا یتمحور حول حیاة والدي فقط، بل على دور الإسكندرية في تذكيرنا  ببيروت، ومن الكتب التي ألهمتني في ذلك، كتاب (وجوه الإسكندرية) للكاتب المصري علاء خالد، خاصة حين قال: كأن ھذه المدینة مطاردة دائما بالإحساس بالفقد، سواء على مستوى الواقع أو على مستوى الخیال والذاكرة. كأنھا نص قدیم مقدس، تتناثر في صفحاته كلمات الفقد، الاستعادة، الحنین، الحزن، والموت”.

بطل الفيلم وهو يحكي عن بيروت القديمة.jpg
يحكي عن بيروت التي في الذاكرة

المكان الرابع في الفيلم، والأخير، ھو بیروت بعد الحرب أو بیروت المستحدثة. يظهر البطل في منطقة “ساحة البرج” أو ما یعرف الآن بـ “ساحة الشھداء”، يحكي في جولة عن بيروت التي كانت، وعن المحال التي كان يتردد عليها وهو شاب، التغیّر الجذري الذي طرأ على هذه الساحة، جعلت هناك صعوبة في أن تستعيد ذاكرته كل الأماكن، التي لم يعد للكثير منها أي أثر. هنا يظهر ضياع الأجيال، فالفيلم یتناول موضوع الذاكرة بشكل جديد، یتحدث عن ذاكرة بیروت المعرّضة للتلاشي، ويضيء على أھمیة ذاكرة الفرد في استعادة الذاكرة الجماعیة، كإرث وطني، كما يتناول الأحلام المتوارثة، ودور الحرب في قتل طموح الأجیال.

تستكمل مي عبد الساتر: “من المحزن أنه لم یُترك للأجیال القادمة شيء من ھذا الإرث سوى بعض من الذكریات المخزّنة في الصور والكتب والأفلام، هذه الأجيال قد لا تكترث بالسؤال عن بيروت، التي ربما ستغرق من جدید وسیغرق ماضیھا الغامض معه، لكن لو أمعنّا النظر في حال عائلاتنا، نجد أنهم يورثونا الأحلام والخيبات، فوالدي راقب أحلام أبيه المھاجر تضیع شیئاً فشیئاً، والآن أراقب أنا أحلام والدي التي دمرتها الحرب، لكن الفرق بيني وبينهم أنهم اختاروا البقاء في بيروت، أما أنا فالنهاية مفتوحة أمامي”.

مخرجة الفيلم مي عبد الساتر.jpg
مي عبد الساتر

رغم أن المخرجة ابنة جيل عاش الهزيمة وورث الخوف، وتنتمي إلى مدينة ضائعة سُرقت أحلامها وهويتها، إلا أن صوتها الذي طل في بداية الفيلم وفي نهايته، كان بمثابة أمل في استعادة بيروت، وغيرها من المدن.

  • نُشر في جريدة أخبار الأدب (مارس 2016)

 

 

 

نُشرت بواسطة

إسراء النمر

صحفية مصرية من مواليد القاهرة (يوليو 1991)، درستُ الصحافة في كلية الإعلام جامعة القاهرة (2008 - 2012). التحقتُ بمؤسسة أخبار اليوم في أكتوبر 2010، والآن أعمل لدى جريدة أخبار الأدب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s