مختارات من ديوان “العيون التي غادرت سريعًا” لإسراء النمر

رجلٌ من زجاج

في فترةٍ ما

فترة ليست ببعيدة

أحببتُ رجلاً من زجاج

كلما لمسته

كلما احتضنته

كلما قبّلته

خُدِشْتُ

كلما غضبت

منه

أخبط كتفه بعنفٍ

أو بدلالٍ

فينكسر جزء

منه

هكذا

بقينا

حتى وجدتُهُ

في يوم

محض فتات

أجمعهُ

بيدي.

هذه الليلة

لم أنسَ

هذه الليلة

التي نمت فيها

جوارك

أنت على طرف السرير

وأنا على الطرف الآخر

وبيننا ترقد قطة

لا أعرف

حتى الآن

من أين أتت

لكن

مرة قالت أمي

إن الملائكة تظهر أحياناً على هيئة قطة

لِمَنْ تحبهم

هذه الليلة

كنتَ في قمة توترك

لأنكَ لم تستطع أن

تُقبلني

هذه الليلة

هل تذكر؟

متابعة قراءة مختارات من ديوان “العيون التي غادرت سريعًا” لإسراء النمر

النباتات.. مساكن الأرواح

لوحة جوستف كليمت

حين ذهب أحد العميان للمسيح عيسى ابن مريم، قال له: “يا سيد أبصر الناس كأشجار يسيرون”. لم يكن الأعمى شاعراً، ولم تكن بالطبع الأشجار تسير في هذا الزمان، لكن الأساطير كانت لا تزال أثرها قوياً رغم ظهور الأديان التي حسمت كيفية بدء الخليقة، إذ كان يُظن في الماضي السحيق أن الأشجار أرواح أو مساكن للأرواح، فهناك على سبيل المثال أسطورة تقول إن بقرة كانت تذهب بانتظام وتقف تحت شجرة عتيقة تخرج من جذعها عجوز تحلبها ثم تعود للشجرة من جديد، لذا كان طبيعياً أن يشعر الإنسان البدائي بالرهبة أمام الأشجار، ويرى فيها الإله الذي في مخيلته، الإله الضخم الذي يمد أذرعه المتعددة ليحميه من تقلبات الطبيعة، ويمطر فوق رأسه الثمار، ونجد في ملحمة المهابهاراتا الهندية إلى أي حد ذهب خيال الأقدمين، إذ يُروى أنه كان هناك شجرة تين عملاقة يتدلى من أغصانها نُساك متعبدون.

متابعة قراءة النباتات.. مساكن الأرواح

الصمت أو كيف تنجو وتهلك في آن واحد

للفنان السوري صفوان داحول

قبل عام تقريباً، كنت أقرأ رواية (أحبك حياً وميتاً) لإيفان تورجنيف، وأوقفتني عبارة شديدة المراوغة، وهي: “هل تعلمين أن في مقدوري أن أقتلك بكلمة؟”.

إنها ليست المرة الأولى بالطبع التي أواجه فيها هذا المعنى، أن بإمكان الكلمة أن تقتل، لكن العبارة أو التساؤل جاء على لسان الأب لابنته، في حين أنه كان يقتلها فعلاً بصمته وغموضه ولامبالاته، ودفعني هذا لقراءة الرواية من جديد، لاكتشف أن شخوصها رغم وعيهم وما يملكوه من حكايات يمارسون الصمت بكل أشكاله، حتى الابنة التي بدت تتسم بالشجاعة سواء في آراءها السياسية والفنية، أو في اختيارها لحب مستحيل، كانت حين تصمت تصيبها وتصيب من أمامها بحمى.

وحين وصلت لتساؤل الأب في القراءة الثانية وجدته محض رغبة في أن يصير قاتلاً معلناً لا أكثر.

الرواية التي تتحدث عن المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر والذي لم يكن يقبل الآخر المغاير عنه في الأفكار والعادات والتقاليد، وأيضاً الهوية، غيرت مفهومي عن الصمت، أنه أيضاً بإمكانه أن يقتل، حتى أن تورجنيف كان يستخدم وصف (قال وهو يقطع حبل الصمت) باستمرار مع شخصية لم تعتد على جرح أو إحراج أحد، وكأن الصمت حبل يلتف حول أعناقنا، وإذا لم نقطعه وبحنا بما في دواخلنا، سنكون قد قتلنا أنفسنا.

الصمت إذن ليس نجاة طيلة الوقت، لأنه حتى لو نجا الصامت فثمة من سيهلك لا محالة بصمته. أتذكر الآن بول أوستر الذي ظل يتمزق من صمت أبيه للحد الذي لم يستطع فيه استحضار فكرة مضيئة عنه حين عرف بموته. يقول في كتابه (اختراع العزلة): “لقد أفلح أبي ذلك الرجل الخالي من الشغف تجاه أي شيء أو شخص أو فكرة، غير القادر أو غير الراغب في الإفصاح عن مكنوناته تحت أي ظرف من الظروف، أفلح في البقاء بمنأى عن الحياة”.

متابعة قراءة الصمت أو كيف تنجو وتهلك في آن واحد

قطة الحائط وماما البعيدة

إسراء النمر

هناك مشهد لا يغيب أبدا عن ذاكرتي؛ وهو أنني في إحدى الليالي، عندما كنت في الخامسة من عمري، ظللتُ أرتجف وأبكي لأنني رأيت قطة بيضاء تخرج من الحائط، وتدخل جسدي بأريحية شديدة.

من الخوف لم أستطع أن أنادي: “ماما”، لكنني فوجئت بها بعد لحظات تفتح ذراعيها وتحتضنني.. تحتضنني فقط.

حين عادت أمي إلى غرفتها، وجدتُ أختي الكبيرة تهمس لي: “أنا أصدقّك، لأنني أيضا أرى أشياء وأسمع أصواتا تُرعبني”. وبدأنا نتبادل الحكايات التي اشتركنا في بعضها، مثل أننا كنا نسمع بعد منتصف الليل أحدا يمشي في صالة البيت، ولا يكفّ عن حكّ قدميه بالبلاط.

لم تكن شقتنا فقط التي تحمل ألغازا، بل البناية كلها، فكانت هناك مثلا امرأة عجوز تسكن هي وزوجها في الشقة المقابلة، وكانت تستأذن أمي كل يوم لكي أجلس معها ساعة أو اثنتين. لا أعرف لماذا أنا بالتحديد، لكنني كنت أفرح لأن لديها كرسيّا هزازا.

ما من مرة دخلت فيها شقة العجوز إلا وأجد الشقة تعبق بالروائح النفاذة، لدرجة أنني كدتُ في يوم أن أختنق، فسألتها عن مصدر هذه الروائح، فردت بدهشة: “روائح؟ أية روائح يا ابنتي؟”

وفي يوم، كنا نجلس أنا وهي على الكنبة، وكان زوجها يجلس على الكرسي الهزاز. لم تكن العجوز تحدثني أبدًا، ولم يكن زوجها يتحدث، وكنتُ بطبيعة الحال أشعر بالملل. وفجأة سمعت صوت تقليب ملعقة في كوب زجاجي قادم من المطبخ، فسألتها بعفوية: “أنت عندك ضيوف يا تيتا؟” أدارت رأسها ناحيتي ببطء، قائلة بغصة لم أنسها حتى اليوم: “أنا لا يزورني أحد يا ابنتي”. فقررت ألا أجلس معها ثانية.

بعد شهر تقريبا تركت العجوز الشقة، وبعد شهر آخر ماتت.

لم أحك لأحدٍ عما حدث، وشعرت لسنوات بالذنب، أنا دائما أشعر بالذنب على أمور لم أفعلها.

متابعة قراءة قطة الحائط وماما البعيدة

من الغياب يتشكل العالم.. قراءة في ديوان “العيون التي غادرت سريعًا”

بقلم: أسامة الحداد

تستمد قصيدة النثر قوتها من اتساعها وقبول اقتراحات ومحاولات متعدِّدة للكتابة، تبدو وكأنها لا نهائية، وتجاوز النص بداياته والمعارك التي دارت حوله وتصدَّر المشهد الشعري ليس في مصر وحدها مع جيلي الثمانينات والتسعينيات وما بعدهما، وحقَّق النص تحولًا لافتًا في الرؤية الجمالية انتقل بها من هيمنة الروح الغنائية والعاطفية الصاخبة التي لازمت التعبير عن العذابات الذاتية إلى فضاء بلاغة انفصالية، تتخذ من البناء المشهدي والتفاصيل آليات معارضة واختراق للرؤى المستقرة، وأحدث انقلابًا مجازيًّا بتجاوز مفهوم الصورة البلاغي إلى المفهوم البصري، وأطلق الصوت الداخلي العميق ليرتع في حرية تبدو مطلقة، وجاء جيل الألفية ليضع روافد للنهر ويفتح آفاقًا جديدة للنص ترتبط بالمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تلت ثورات الربيع العربي في جميع العصور التي تتجلَّى فيها روح الاستقلال في الأدب (الميل لرفض مبدأ السيطرة وتحرير الفرد).


نرى أن الشعر يترجح بين طريقين مختلفين كي يمضي نحو الحرية، هكذا تقول سوزان برنار في كتابها الشهير “قصيدة النثر” وتبدو الموجة الجديدة أكثر اتساعًا حيث تتعدَّد أنماط القصيدة الجديدة بشكل غير مسبوق، على الرغم من عدم استقرار ملامح هذه الموجة وارتباط الكثير من تجاربها بنصوص سابقة، حتى وإن صنعت هويتها كما أنها تبدو -حتى هذه اللحظة– أقل اهتمامًا بالعالم كما تتراجع الذات الجمعية أمام ذات فردانية حتى وإن بدت إيجابية ومتمردة في أحايين كثيرة، ومن هنا قدرة هذه التجارب على مجاورة نصوص الأجيال السابقة زمنيًّا وهو ما يشكل جوهر الصراع والنواة الصلبة لاستمرارية هذه الموجة.


جاءت مجموعة إسراء النمر الأولى “العيون التي غادرت سريعًا”، الصادرة مؤخرًا عن الهيئة العامة للكتاب بانحرافٍ واضح خاصة على مستوى اللغة، حيث الانتقال من اللغة المتعالية للشعر إلى لغة التواصل اليومي. واللغة ومواجهة سلطويتها وخيانتها تمثِّل إشكالية في الكتابة الأدبية بشكل عام والشعر خاصة، بعيدًا عن مصطلح الشفاهية الذي يبدو غير مستقر ويحمل تناقضاته؛ إذ الكتابة مرحلة تالية للشفاهية بالرموز التي تمثِّل الحروف. واللغة متطورة بطبيعتها ومتجدِّدة، كما يقول عثمان بن جني إنها ليست وقفًا ولا اصطلاحًا.
ومن هذه اللغة التي تبدو بسيطة عادية ومتاحة يتشكَّل الخطاب الشعري داخل المجموعة، وصراع الحضور والغياب وهو الصراع الأساسي والرئيسي منذ العنوان عتبة النص حيث العيون كعلامة سيميائية داخل الجملة (الوحدة البنائية) تتقدم كمسند إليه على المسند، فالجملة الخبرية التي تتصدَّر المجموعة هي “غادرت العيون سريعًا” حيث الفعل غادرت هو المسند والعيون هي المسند إليه في فعل المغادرة، فالعيون هنا أكثر حضورًا من غيابها وعيون التي تسبقها أداة التعريف تبدو عامة ومجرَّدة تم تخصيصها بمغادرتها السريعة، وعيون مفردها عين وتجمع عيون وأعين وأعيان وتحمل الكثير من المعاني فهي عضو الإبصار، وينبوع الماء والنفيس من كل شيء وكبير القوم والجاسوس وما ضُرب من نقد، وتعني الكثير غير ذلك. وكان المصريون القدماء يكتبون الفعل “يخلق” باستخدام رمز هيروغليفي هو العين، فأنْ يبصر الإنسان بعينيه فإنَّ ذلك يعني أنه يخلق أو بالأحرى يعيد الخلق، والعين السليمة “داوجت” هي رمز الكمال أو الحياة الكاملة “حياة الروح” ويطلق عليها أيضًا عين حور وهي تشفي الأمراض التي تسببها الأرواح الشريرة أو أرواح الموتى الهائمة على وجوهها أو التي يسببها أعداء كما جاء في بردية لندن السحرية، و”تحوت” من ألقابه “الذي أكمل عين حور” وهو من يرشد العين في البيت العظيم “معبد آتوم رع” بمدينة أون المعروفة بهليوبوليس.

متابعة قراءة من الغياب يتشكل العالم.. قراءة في ديوان “العيون التي غادرت سريعًا”

رغبة جامحة للحياة.. رغبة جامحة للشعر

بقلم: سفيان صلاح هلال

الكثيرون على مر الأزمنة حاولوا وضع الضوابط الفاصلة بين الشعر والنثر، سواء بوضع التعريفات لكل منهما، أو بإلصاق الوصف على كل كلام جاء في شكل معين، أو به صفات معينة. وأظن أن لغة الشعر كانت هي الفيصل بين ما يمكن تصنيفه شعراً، وما يجب أن يوضع في خانة الأجناس الأدبية الأخرى. -فمثلاً- الشاعرية ليست من صفات النص الشعري دون غيره، وقد نلمسها في كتابات روائية، وفي القصة القصيرة، وبالرغم من ذلك ستظل هذه الأعمال تابعة لما تنتمي إليه من أجناس إبداعية، والحق أن الشاعرية إذا فقدتها أيّةُ كتابة فقد فقدت أهم جواهرها، ولم يصنف أحد ألفية ابن مالك على أنها شعراً رغم أنها تستوفي شروط الوزن والقافية، والكلام الدال على معنى على حسب تعريف “قدامة”. كذالك الدراما، هي قاسم مشترك بين كل الفنون.. فالصراع محرك الإبداع. ولكن تظل اللغة الشعرية هي ميزة الشعر من قديمه حتى الآن. ولغة الشعر ليست لها “كتالوج” يوضح ماهيتها بالضبط، فهي قد تختلف من عصر إلى عصر، فترتكز على البلاغة الاستعارية في زمن ما، أو على التخييل الإيحائي في زمن آخر، أو على تشيؤ النص، وقد وصل أن استخدم بياض الصفحات فوزعت عليه الجمل بطريقة معينة مولدة للمعاني..  وغير ذلك مما درسه النقاد أو لم يأت زمنه بعد. لكن تظل هناك للشعر خصوصيته؛ حتى لو غير جلده وثيابه المعتمدة على الوزن والقافية، وكتب بالنثر.

وفي هذه الحالة تكون الحاجة للشعرة الدقيقة بين لغة الشعر ولغة غيره أمَسّ. وليس عيباً أو نقصاً أن يوصف كلام ما بأنه في جنس أدبي غير الشعر، فكل فن له جمالياته ووظائفه التي لو كفى حاجة الإنسانية غيره ما لجأت إليه. والواقع أن ما لفت نظري في ديوان “العيون التي غادرت سريعاً” للشاعرة إسراء النمر هو وعيها بالفرق بين لغة الشعر ولغة النثر، بعد هذا سوف يأتي أي شيء، خاصة إذا كان الشاعر/ة صغير/ة السن. ففي الديوان الأول قد تجد الصوت ممزوجاً بأصوات كثيرة، وقل أن تصادف ملامح محددة للإبداع موضوعاً وشكلاً، رغم هذا ففي ديوان الشاعرة الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020، نستطيع تتبع تجربة تُعلن عن نفسها في وضوح.

الشاعرة تعتمد نوع الشعر بالنثر كشكل فني، تكتب فيه تجاربها، والحقيقة أني أميل إلى مصطلح الشعر بالنثر، عن مصطلح شعر النثر، أو قصيدة النثر، من باب تنظيم الدلالة اللغوية. والشاعرة تعطي اللوحة الكلية للنص طاقة التعبير عن معانيها، مستغلة كافة المفردات والجمل، دون اعتماد على الصور ذات الأشكال الاستعارية، كما أنها لا تعتمد على الصور الجزئية كثيراً في نصوصها وفي كل الأحوال تسرد :”كان أبي يبحث عن مسمارٍ/ ليُعلق عليه صورته/ ولأن نظره ضعيف/ ولأنني نحيفة/ وقصيرة للغاية/ مد يده وأخذني/ وصار يدق بعنفٍ/ على رأسي/ حتى أدخل في الحائط/ لكنني لم أدخل/ وانفلتُّ من بين أصابعه/ نفخ أبي وقال: أستغفر الله/ وراح يتحسس الأرض/ لكنه لم يجدني/ إذْ كنتُ منزويةً في الركن/ أبكي/كمسمارٍ.. اعوجَّ للتو”.

متابعة قراءة رغبة جامحة للحياة.. رغبة جامحة للشعر

قصائد للوحدة والتعري والتقاط الهشاشة

بقلم: محمود خيرالله


تُثبت بعض الدواوين الشعرية الجديدة، التي تنتمي إلى قصيدة النثر، جدارةَ هذه القصيدة بصدارة المشهد الشعري، بما توفره من أدوات جديدة لمبدعين شباب، وجدوا في هذه القصيدة طاقات جمالية هائلة لاستيعاب أرواحهم المبدعة، لتكون قصيدة النثر عنوان الشعر الجديد في مصر، ولتكون قدرة مبدعيها على الخلق والادهاش ـ جيلاً بعد جيل ـ دليلاً لا يطوله الشك على أن النص الجديد يحتوي طاقات إبداعية كبيرة، تحتاج منا ـ فقط ـ إلى الاكتشاف.

من بين هذه الأعمال ديوان الشاعرة إسراء النمر: “العيون التي غادرت سريعاً”، الصادر مؤخراً عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب”، بغلاف الفنانة هند سمير، وعلى الرغم من أنه الديوان الأول لإسراء، إلا أنه يحمل بصمات شاعرة متمرسة، لا تطبق مواصفات شعرية جاهزة أو معلبة، ولا تعتمد على الصيغة الدارجة لهذه القصيدة، التي تم اختصارها في: “المجانية/ الإيجاز/ التوهج”، وهي الصيغة التي عرفتها الأدبيات الخاصة بقصيدة النثر العربية، نقلاً عن كتاب سوزان برنار “قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا”. فقد سعت إسراء إلى اقتراح طرائق شعرية تخصّها، وتخص حكايتها مع القصيدة، معتمدةً على تقنية التعري والفَضح، بدءاً من التعري الجسدي، إلى التعري المعنوي، وصولاً إلى التعري المجتمعي، الأمر الذي يجعلنا نتوقف طويلاً أمام “تيمة الجسد” بشكل عام.

الإيجاز والجمل الشعرية كثيفة الدلالة هي السائدة إذن، بحيث تصغر بعض النصوص إلى عدد محدود جداً من الكلمات، من دون أن تفقد تلك الموسيقى الداخلية بين الكلمات، وهي الموسيقى التي ينكرها المتعصبون لفكرة “الإيقاع الخليلي” في الشعر، ومثلما يصح قول الشاعر والروائي الانجليزي، أوسكار وايلد (1854 ـ 1900): “تغريدة البلبل قصيدة موزونة، أما أغنية البجع فهي قصيدة نثر”، إلا أن شعراء قصيدة النثر المصريين والعرب، خالفوا كثيراً من تصوّرات الشعراء الغربيين عن النثر، وأبدعوا على طرائقهم، مثلما خالفوا ما كتبه أحد مؤسسي قصيدة النثر في الشعر الفرنسي، الشاعر شارل بودلير (1821-1867) الذي عرَّف قصيدة النثر في رسالة إلى هوسييه: “غايتُنا كُتلة لا رأس لها ولا ذيل”، إلا أن إسراء فضلت أن تكتب قصائدها برأسٍ وربما بذيل، مستكملة مسيرة شعراء قصيدة النثر العرب، التي تعتبر أن المشروع الأكبر لقصيدة النثر هو أنها تنطوي على طاقة فوضوية هائلة، تطمح إلى نفي الأشكال المستقرة، من أجل بناء “كل شعريِ” يُخالف المألوف، ويلتقط ما هو شعري في ما هو عابر.

متابعة قراءة قصائد للوحدة والتعري والتقاط الهشاشة

التحولات الحلمية للذات المتكلمة في ديوان «العيون التي غادرت سريعًا»

بقلم: د. محمد سمير عبدالسلام

“العيون التي غادرت سريعا” ديوان للشاعرة المصرية المبدعة إسراء النمر؛ صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتابة 2020 ؛ والتجربة الشعرية لإسراء النمر تواصل مسيرة التجريب في قصيدة النثر المصرية؛ وبخاصة في إعادة النظر إلى الذات في سياق شعري تصويري يستلهم بنية اللاوعي، وأحلام اليقظة الأنثوية أحيانا، أو يعيد قراءة تاريخ المتكلمة بصورة مجازية، أو يجدد بنية صوتها في النسق السيميائي التجريبي للنص الشعري؛ مثل تصويرها للحظات من النشوء المجازي المتكرر للذات في علامات المرآة، أو الشارع، أو الحائط، أو ضمن أخيلة المياه التي تذكرنا بشاعرية الطاقة الأنثوية / الأنيما، وتأملاتها لدى غاستون باشلار في كتابه شاعرية أحلام اليقظة، وقد تستعيد المتكلمة – في كتابة إسراء النمر – صوت لوركا مجازيا في لحظة الكتابة؛ لتعيد التأمل في بنيتي الموت، والحياة من داخل أثر لوركا الجمالي، وامتزاج صوته التجريبي بالذات المتكلمة في لحظة الكتابة؛ وهو ما يؤكد نزوع الكاتبة للتجريب، وتفكيك المرجعيات المستقرة عن الذات في سياقاتها اليومية، والتاريخية باتجاه صيرورة الاستبدالات التصويرية الممكنة في تداعيات النص، وفي السرد الشعري التفسيري، وإيماءات التحول السيميائي للعلامة، ولبنى الذات، والآخر، والفضاء المتضمن في خطاب المتكلمة الشعري.

متابعة قراءة التحولات الحلمية للذات المتكلمة في ديوان «العيون التي غادرت سريعًا»

إسراء النمر.. الجسد السوريالي/ تحطيم سلطة التناظر

بقلم: عبد الغفار العوضي

هيرمنيوطيقا الجسد/ الجسد يؤول العالم

يلعب “الجسد” بمفهومه الهيرمنيوطيقي الواسع “تأويلية الجسد” في مساحة مركزية في الأدب الحداثي وما بعد الحداثي،ففي الأدبيات النقدية تشكل بنية الجسد منطلقًا لتفكيك وهدم “بمفهوم دريدا للتفكيك” أبنية السلطة الرمزية بكل موروثاتها التي تعتمد عليها من أجل ترسيخ هيمنتها الثقافية والسياسية والاقتصادية، وفي متن التحليل البنيوي الذي أقامه “ميشيل فوكو” في البحث عن جذور السلطة وأبنيتها، والربط بين مفردة “الجسد” باعتبارها أهم أدوات السيميولوجيا في تعرية العلاقة بين الفرد “هوية ذاتية يقوم النسق بتعريفها” والأنساق الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تقوم السلطة من خلالها باستخدام الجسد وتوظيفه داخل آلة النظام، فالجسد هو العمال الذين يقومون بعملية الإنتاج داخل النظام الرأسمالي، والجسد هو المستهلك الذي نشأ النظام من أجل تلبية احتياجاته وتنمية رغباته لإعادة تشغيل دورة الإنتاج، الجسد هو مركز الخطيئة حيث نزل الإنسان من السماء إلى الأرض في علاقة تبدو شديدة التناقض بين الحرية المطلقة للجسد ومحيطها الخارجي الذي يكبلها، الجسد هو مركز اللذة والألم والشعور بالندم لأنه ارتكب أخطاء في حق النظام والعالم، الجسد هو المساحة الصغيرة جدًّا والبالغة الهشاشة التي تتحمل كل مفردات العقوبات القانونية والجسدية حين تخالف ما فرضه المجتمع من آليات للكبت الاجتماعي والثقافي.

في كتابه المهم “عن التفسير: مقال عن فرويد” يقوم بول ريكور بالتفريق بين “هيرمنيوطيقا الارتياب” وهو المذهب التأويلي الذي يشك في وجود معان باطنة وراء النص الظاهر، وهو المنطلق البحثي الذي استخدمه أتباع ماركس وفرويد ونيتشه، في الكشف عن الأسس والجذور والأنساق الاجتماعية والتاريخية التي تشكل مرجعية لإنتاج النص، وبين هرمنيوطيقا الوصول إلى المعنى الحقيقي، وهو الأسلوب المستخدم في التفسيرات اللاهوتية الدينية والمرتكزة على محورية فقه اللغة من أجل ترسيم الحدود الظاهرة للنصوص الدينية ومفاهيمها الرئيسية.

ومن هنا يبدأ ريكور في تضفير العلاقة المعقدة بين النص”الجسد” وبين الهيرمنيوطيقا والفلسفة التحليلية من جهة، وبين التحليل النفسي واللاهوت من جهة أخرى، وهي العلاقة التي أتاحت لنا فهم الجسد عبر مفاهيمه الشاملة ووقوعه كمركز داخل دائرة متسعة من التشكلات الاجتماعية والثقافية والنفسية.

تفكيك الجسد/ اللعب الحر بالمعنى

تبدأ “إسراء النمر” في اللعب الحر بالجسد الذي تفكك إلى قطع بازل، كل قطعة هي مساحة تأويلية لتعريف هوية كل عضو، وأيضًا لمحو تعريفه السابق، وإعطائه اسمًا جديدًا، ووظيفة مختلفة، إنها تلك التشكلات التي لا تخترع من خلالها فقط عالمها الذاتي، مكونة أنساقًا مجتمعية أخرى لا تلعب فيها سلطة الخارج أي تأثير، ولكنها أيضًا تطل برأسها المتلصص لترى كيف يستخدم اللاوعي خياله الثوري لهدم تصورات السلطة عن نفسها، إنها علاقة تبادلية مستمرة بين الاعتراف بسلطة الجسد وخروج عليه في آن واحد، بين تفكيك العالم الخارجي والوقوع تحت هيمنة ظله المتواري، لنكتشف ذلك:

أنت لا تعرف فداحة ما حصل

يوم استيقظت

ووجدت ملامحي

على الوسادة:

رموشي وشعري

وحاجبي

أما عيناي وأذناي

وأنفي وفمي

فكانت قد تدحرجت

وسقطت على الأرض

بكيت جدًّا

تسألني كيف بكيت

وعيناي على الأرض

بكيت هكذا

من قلبي

ومن عينيّ أيضًا

وكانت دموعي تتلمس الطريق

إلى فمي

فمي الذي ظل يقول كلامًا غير مفهوم

فمي الذي تقلب على ظهره

حتى وصل إلى عتبة

البيت

كأنه يريد

أن يسب الحياة

في وجهها.

الآن

لم أعد قادرة على التقاط”سيلفي”

لنفسي

لم أعد قادرة على غسل وجهي

لأنني كلما مررت بأصابعي عليه

أرتعش

وأتذكر ناس هذا الوجه

الذين غادروه

متابعة قراءة إسراء النمر.. الجسد السوريالي/ تحطيم سلطة التناظر

شعرية الغياب والفقد: لا انتظام النص في ديوان “العيون التي غادرت سريعًا”


بقلم: د.محمد صلاح زيد

بالنظر إلى الشعر الحداثي، فإننا نجد أنفسنا أمام محكيات شعرية، قد تكون قائمة في ذاتها على الإفادة فنيًّا وبنائيًّا من معطيات الفنون النثرية الأخرى، مثل: المقامات، والقصة القصيرة، والمسرحية، وغيرها من فنون النثر الأخرى. لكن القصيدة الحداثية في النهاية هي أحد أشكال الشعر برؤية قائليها، فالشاعر الحداثي، ينقل مفردات أفكاره والحياة من حوله إلى قصائده الشعرية، والتي يتضح فيها كثيرًا الإفادة من معطيات الفنون النثرية سالفة الذكر. وهنا يجدر بنا الوقوف شيئًا ما أمام إفادة الشعر عامة من فنون النثر المختلفة، وما قد يحيلنا الحديث إليه من الوقوف أمام نظرية تداخل الأنواع/ الأجناس الأدبية.

إن ثمة مسارات علاقة عقدت بين هذين الفنين (الشعر والنثر)، لعل أبرزها ما يرصده د.عثمان موافي في كتابه الشهير “في نظرية الأدب: من قضايا الشعر والنثر في النقد العربي القديم”، إذ يقولفي مقدمة كتابه إنه جاء لـ”يكشف عن تصور نقادنا العرب القدماء لطبيعة العلاقة بين هذين الفنين، وذلك من حيث المفهوم، والشكل الفني، والموضوع، والوزن، واللغة، والخيال. كما يكشف عن مظهر من المظاهر التي تدل على هذا التداخل الفني بين هذين الفنين، الذي يتمثل بشكل واضح في شعر الكُتَّاب، وما يتسم به من خصائص الفن النثري. وقد كان الهدف من الأساس من تأليف هذا الكتاب: الرد على القول بإلغاء الفوارق الفنية بين الشعر والنثر، الذي ردده بعض رواد النقد العربي الحديث”.(1)

إن تلك الثنائية نجد تحقيقها فاعلًا وحقيقيًّا في الشعر الذي يعتمد تقنيات النثر في التشكيل والبناء، كتقنيات بناء الرواية والقصة القصيرة، حيث الاعتماد على عناصر القص والحكاية وحضور الذات التي تروي الأحداث داخل النص، وهو ما يسمى بالشعر المنثور، والشعر المنثور هنا ليس بالضرورة أن يكون قصيدة النثر الخالصة في مفهومها الحديث، بل قد ينسحب التعريف إلى تلك القصيدة الحداثية ذات التحولات الفنية والبنائية، التي تفيد كثيرًا من فنون النثر الأخرى فنيًّا وبنائيًّا وجماليًّا، وأيضًا، قد نقصد بها قصيدة النثر الخالصة، التي قد تشبه القصيدة الحداثية ذات التحولات الفنية والبنائية، فنجد ذلك يتضح جليًّا في (قصيدة النثر)، وقصيدة النثر “لا تعني السهولة ولا الاستسهال، ولا تعني الضعف وغياب الثقافة أو عدم المقدرة على كتابة قصيدة تقليدية، إن كتابة قصيدة النثر حالة شعرية ذات خصوصية، وليست سهلة على الإطلاق، ولابدَّ لكاتبها من أن يبتكر لغته وصوره وأن يتجنب كل ما هو مألوف، وأن يودع في قصيدة النثر مبررات كتابتها، لتكون قصيدة نثر”.(2)

وفي ديوان “العيون التي غادرت سريعًا” للشاعرة “إسراء النمر”، نجد حضورًا فاعلًا للقصيدة الحداثية، تلك القصيدة المتمردة فنيًّا وبنائيًّا، التي تنشد عالمًا فوضويًّا يعزز من معاني الغياب والفقد ويؤكد على حضور حقيقي لأثر الغياب وعدم الاكتمال، ويأتي ذلك في الديوان عبر مستويين، يمكننا حصرهما كالآتي:

1- فوضى الذات/ فوضى النص.

2- تساؤلات مقلقة.

فلقد لامسا -وبسخرية لاذعة وألم كبير- توتر الذات الشاعرة، وعبرا عبر إمكانات التخييل الشعري للصورة لديها عن عبثية ذلك الواقع المؤسي، المتمثل في فوضى الذات وفوضى النص، وتلك الحقيقة الفاجعة عبر تساؤلات مقلقة لا نهائية.

فوضى الذات/ فوضى النص

ينتمي شعر “إسراء النمر” إلى هذا النحو من القصيدة الحداثية، التي تُماهي بين التخييل وحالة المروق الوجداني، في سعي واضح إلى تخطِّي الشكل التقليدي للقصيدة الشعرية التقليدية، فشعرها يعقد مواجهة مع تساؤلات مقلقة لا نهائية يحفل بها الوجدان. من هنا يتجلى التخييل الشعري لديها؛ ليستمد جماليته من مسارات التأمل والمراجعة لمفردات الحياة في اقترانها بالمطلق، دونما الخضوع لاشتراطات النسق التقليدي لها.

فقصائد ديوانها “العيون التي غادرت سريعًا” يتصل فيما بينها التخييل الشعري عبر صورٍ مفارقةٍ أكثر انشدادًا لصنعة الخيال والتخييل، لتلك الكيانات الذاتية الغائبة والمحجوبة، ما يجعل كل شيء يتشظَّى ويتقطع داخل الصور الشعرية لديها، تتحدث الشاعرة في قصيدتها”يد تجوب البيت” عن حالة التشظي والسديم الناتج عن انعدام الاكتمال، فقدان الحياة، وداع وارتباك، فوضى الذات/ فوضى النص، فتقول:

“البارحة

نسيت يدي

على الطاولة

وذهبت إلى العمل

لم أستطع أن أسلم

على أحد

أو أكتب أي شيء

وحين عدت

وجدت يدي تجوب البيت

بحثًا عني

يدي التي

يئست

وعادت ثانية

إلى الطاولة

ممسكة

بفنجان القهوة

والسيجارة معًا” (ص14،15).

متابعة قراءة شعرية الغياب والفقد: لا انتظام النص في ديوان “العيون التي غادرت سريعًا”